ماذا وراء التسريبات عن اتفاق أميركي - إيراني وشيك؟
في الثالث من شهر نيسان الماضي قام موقع «أكسيوس» الأميركي بتسريب أنباء عن وجود محادثات أميركية - أوروبية - إسرائيلية بشأن مشروع اتفاق مؤقت تنوي الولايات المتحدة عرضه على إيران يتضمن قيامها بالإفراج عن جزء من أموالها المحتجزة بفعل العقوبات مقابل قيام الأخيرة بالتعهد بأنها لن تقوم بتخصيب اليورانيوم فوق نسبة الـ 60%، وهي النسبة الأعلى التي وصلتها إيران منذ أن أنهى ترامب الاتفاق النووي.
منذ أن تم الكشف عن هذه المحادثات من قبل «أكسيوس»، ظهرت تسريبات أخرى في الصحافة الأميركية تتحدث عن قيام الولايات المتحدة بإجراء محادثات غير مباشرة بهذه الشأن مع إيران في سلطنة عُمان وأن الطرفين قد أوشكا على التوصل إلى اتفاق يتضمن إفراج العراق عن مبلغ 2.7 بليون دولار لإيران، وهي مستحقات لمبيعات غاز وكهرباء لم يتمكن العراق من دفعها لإيران بفعل العقوبات على الأخيرة.
التسريبات تقول أيضاً إن الصفقة تتضمن الإفراج عن جاسوس أميركي محتجز في إيران، وعن السماح لإيران بتصدير نفطها، وكل ذلك مقابل تعهد إيران بعدم التقدم في مجال تخصيب اليورانيوم بنسبة أعلى مما هو موجود حالياً.
يعزز صحة هذه التسريبات قيام رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالكشف عن قيام إيران بالسماح للوكالة بتركيب أجهزة للرقابة في موقعي نطنز وفوردو النوويين، وهو إجراء طوعي قامت به إيران وهي ليست مُلزمة به بعد إلغاء أميركا للاتفاق النووي العام 2018.
ويعززها أيضاً قيام المرشد الأعلى في إيران السيد علي خامنئي بالقول قبل أيام إنه لا ضرر من القيام بتوقيع اتفاق نووي لا يتضمن «تفكيك» المنشآت النووية الإيرانية أو «المساس بها». يضاف لذلك بالطبع التصريحات «المتوترة» من قبل المسؤولين الإسرائيليين عن رفضهم وعدم التزامهم بأي اتفاق بين «الغرب» وإيران.
هنالك إذا شيء يجري بين إيران والولايات المتحدة وتفاصيله على الأغلب قد تتجاوز التسريبات الموضحة أعلاه، لكنها بالتأكيد لا تصل إلى اتفاق كامل بين الطرفين مثل الذي كان قائماً العام 2015.
اتفاق كهذا ينسجم إلى حد ما مع تصريحات المسؤولين الأميركيين العام الماضي بأن الفرصة للعودة للاتفاق النووي الموقع في عهد أوباما قد انتهت، وهو يتفق مع الرغبة الإيرانية بعدم المساومة على إنجازاتها النووية، وهو أيضاً مماثل للاتفاق المؤقت الذي وقعته أدارة أوباما العام 2013 مع إيران خلال مفاوضاتها للوصول إلى اتفاق شامل.
ذلك الاتفاق في حينه تضمن قيام إيران بتجميد تطويرها لبرنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية عليها والإفراج عن جزء من أموالها المحتجزة، وهو اتفاق تم تجديده كل ستة أشهر إلى أن تم توقيع الاتفاق النووي الشامل.
لكن الاتفاق الحالي الذي تحدث عنه موقع أكسيوس، إذا ما تم اعتماده رسمياً، له سياقات مختلفة تفسر سبب قيام الولايات المتحدة باللجوء إليه.
لقد تعهدت إدارة الرئيس بايدن مراراً وتكراراً بأنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وفي هذا السياق ومنذ إعلانها عن فشل مفاوضاتها لإحياء الاتفاق النووي نهاية العام الماضي، بدأت الولايات المتحدة بتدريبات مع إسرائيل لضرب المنشآت النووية الإيرانية.
في شهر تشرين الثاني الماضي قام الطيران الإسرائيلي والأميركي بتدريبات مشتركة لمدة ثلاثة أيام على مهاجمة مواقع شبيهة للمواقع النووية الإيرانية. وفي شهر كانون الثاني من هذا العام شاركت طائرات الـ F-35 مع طائرات أميركية في تدريبات تستهدف ضرب أهداف في عمق أراضٍ معادية. وفي نفس الشهر اشتركت 42 طائرة إسرائيلية مع 100 طائرة أميركية في تدريبات استمرت أربعة أيام وبالذخيرة الحية على ضرب أهداف معادية. وفي شهر آذار الماضي قامت إسرائيل والولايات المتحدة بتدريبات مكثفة مدتها أسبوعان في ولاية نيفادا لتطوير التعاون بينهما بما في ذلك ضرب أهداف معادية وتغذية الطائرات أثناء تحليقها.
التدريبات شاركت فيها أكثر من مائة طائرة أميركية وتضمنت قيام هذه الطائرات بالتحليق مرتين في اليوم لضرب الأهداف المحددة لها.
هنالك إذا تحضيرات لحرب على إيران، والاتفاق في حال التوصل إليه لا يأتي ليمنع هذه الحرب ولكن لتأجيلها، وربما لسببين: الأول هو انتظار نتائج الحرب الروسية الأوكرانية. الولايات المتحدة في تقديري لا تريد البدء بحرب تحتاج منها تسخير مواردها لها قبل الانتهاء من صراعها مع روسيا في أوكرانيا، وهي حرب تستنزف روسيا ولكن أيضاً تستنزف الولايات المتحدة وأوروبا وإن بقدر أقل.
الحرب مع إيران الآن قد لا تترك فرصه للولايات المتحدة للمساهمة الفاعلة في استنزاف روسيا، خصوصاً وأن هذه الحرب إن حدثت ستمتد لتشمل منطقة الشرق الأوسط.
الثاني هو رغبة الولايات المتحدة في ضمان أن أي حرب مع إيران لن تسمح للأخيره بتسريع برنامجها النووي لإنتاج قنابل نووية، وهو ما يعني فقدان أميركا وإسرائيل لإمكانية القيام بالحرب والاستمرار بها حتى تدمير البرنامج النووي الإيراني.
حالياً إيران لديها 87 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب وهي قادرة على رفع تخصيبه إلى 90٪، وهو ما يلزمها لصناعة سلاح نووي، لكن كمية اليورانيوم المخصب - وفق الخبراء - تكفي فقط لصناعة قنبلة واحدة.
بمعنى آخر، إيران بحاجة لكميات أكبر من اليورانيوم المخصب لصناعة عدة قنابل نووية للوصول إلى درجة الردع، وهو ما ترغب أميركا في منعه من خلال اتفاق مؤقت.
لا يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة «مندفعة» تجاه الحرب مع إيران، لكن هنالك ما يدعو للادعاء بأن الحرب قد أصبحت تحتل جزءا من أجندتها وأن هنالك من يدفع باتجاهها داخل الإدارة الأميركية.
هنالك قناعة أميركية بأنها تخسر الخليج العربي، وأن الحرب وحدها يمكنها إعادة دول الخليج العربي للاعتماد عليها والابتعاد عن الصين وروسيا.
هنالك «ضيق» من دعم إيران لروسيا سواء في مجال الطائرات بدون طيار أو الصواريخ الدقيقة.
وهنالك قناعة بأن إيران أصبحت دولة عتبة نووية وأن كل ما يلزمها لإنتاج سلاح نووي هو قرار سياسي من قادتها. وهنالك بالطبع لوبي إسرائيلي يضغط منذ سنوات من أجل الحرب على إيران.
الأخبار الجيدة بأن دول الخليج العربي تدرك مصالحها وهي لا تريد حروباً في منطقتها وقامت من أجل ذلك - ولأسباب أخرى بالتأكيد - بتطبيع علاقاتها مع إيران.
الخبر السيئ هو أن اتفاقاً مؤقتاً مع إيران يؤجل الحرب ولكنه لا يلغيها.. أميركا وإسرائيل لن تتوقفا عن محاولة إخضاع المنطقة لنفوذهما وسيطرتهما والحرب كانت دائماً أحد خياراتهما.