عن خطاب مندوب إسرائيل في مجلس الأمن
تصدرت فصول المجزرة المرتكبة في مطلع شهر تموز الحالي إثر الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين الشبيهة بمخلفاتها التدميرية بمجزرة المخيم المرتكبة في عام 2002 نقاش جلسة مجلس الأمن المقررة حول قضايا الشرق الأوسط في 27/ 7/2023، حيث تم توظيف القوة العسكرية الإسرائيلية بكامل عتادها وقوتها الفتاكة من أجل اجتثاث المقاومة وإخضاع المخيم.
المثير في الجلسة المذكورة لمجلس الأمن، محتوى الخطاب الذي قدمه جلعاد إردان مندوب اسرائيل في الأمم المتحدة، ومحاولته قلب الصورة الواقعية على الأرض رأساً على عقب، حيث يقاوم الفلسطينيون في واقع تتفوق فيه الآلة العسكرية الإسرائيلية تفوقاً ساحقاً على الأسلحة الفردية والبدائية بيد المقاومين، لكن النصر في الحالة الفلسطينية لا يتحقق للاحتلال، ولم يعرف التاريخ أي حالة انتصر فيها الاحتلال على مجتمع مهما بلغ ضعفه، ما دام يرفض الخضوع ويتطلع إلى الحرية. وفي مخيم جنين لم ينتصر جيش الاحتلال على الشعب المقاوم لدى تدمير المخيم في عام 2002، كما لم يحقق أهدافه خلال عمليات التدمير الثاني عام 2023، بل سجلت المقاومة صمودها وانتصارها بسبب عدم تمكينها قوة الاحتلال الغاشمة من استكمال تدمير المخيم، وفشلت في فصل المقاومة عن محيطها وحاضنتها المجتمعية.
حاول إردان فاشلاً إضفاء لمسة إنسانية على خطابه، مركزاً على إنسانية الضحايا الإسرائيليين، وهم في الحقيقة ضحايا حكومتهم وسياسات دولتهم المحتلة، مؤسطراً ما استطاع الوجود والرواية الاسرائيلية المبنية على ادعاءات دينية وتاريخية مزيفة، تتناسب مع المزاعم السياسية للصهيونية على أرض فلسطين، أسطرة هدم المعبد وأسطرة النفي، جميعها تبدو كحكايات بطولية لشعب فريد من نوعه وهي تبدو شبيهة بالقصص الخيالية المشبعة بالخرافات، لكن الخطاب مهما جهد لإبراز المعاناة المدّعاة، فإنه لا يرقى إلى مستوى معاناة الشعب الفلسطيني والواقع المعاش، إذا ما استخدمت الحقائق المستندة للوقائع والأرقام على جميع الصعد، كأعداد الشهداء والأسرى والمدمرة بيوتهم والمهجرين والنازحين من المكان واللاجئين في وطنهم والمحرومين من ممارسة عباداتهم وشعائرهم الدينية.
بدأ اردان التذكير بتصادف جلسة مجلس الأمن مع «الذكرى الحزينة» لإحياء يوم خراب الهيكل المزعوم في القدس، حيث تجري مساعٍ محمومة لاستعادة السيادة عليه من خلال تكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، مبلغاً الحضور بأن اليهود يقومون بجولاتهم في هذه المناسبة في أرجاء المسجد أثناء قيامه بإلقاء كلمته أمامهم بقيادة الفاشي بن غفير، واضعاً أمام المجلس كذلك المعاناة الناتجة وسقوط ضحايا على يد المقاومة، مسلطاً الضوء على المرأة الحامل التي قُتلت جراء عملية دهس، وأراد من المثل الأخير تكثيف المعاناة الإنسانية لعله يأتي بنتيجة إيجابية لصالح الاحتلال، وإحلال الصورة الإسرائيلية مكان الصورة الفلسطينية الراجحة في مخيلة الحضور.
وأنهى المندوب الكذاب كلمته بعتاب المؤسسة الدولية محملاً إياها المسؤولية عن عدم حل قضية اللاجئين من خلال الإبقاء على المخيمات في فلسطين وفي دول اللجوء، مقترحاً بديله الاستعماري في توطين وإدماج اللاجئين في البلدان العربية والخلاص من المخيم، للتوقف عن النظر والتفكير بأن مدنهم في حيفا وطبريا والمدن الأخرى.
لم يُلاقِ تظلم إردان أمام المجتمع الدولي الصدى الذي توقعه، ولم يحصل على التعاطف والتجاوب الذي أراد، حيث أدانت كلمات الأغلبية الساحقة من الحضور الانتهاكات المرتكبة في مخيم جنين، بلغة ديبلوماسية واضحة المقاصد، مع الإشارة إلى احترام المسؤوليات التاريخية والراهنة للمسجد الأقصى، حتى رد الفعل الذي جاء على لسان مندوب الولايات المتحدة الذي أبدى استياء بلاده من زيارة المسجد الاقصى من قبل المستوطنين بقيادة بن غفير واصفاً إياها بالزيارة الاستفزازية، وهو ما يشير إلى علامات بدء التصدُّع الذي تشهده علاقة أميركا الديمقراطية مع إسرائيل الفاشية الدينية.
تابع إردان منهجيته في إبراز معاناة الإسرائيليين لدى تقديم عروضه الخطابية متطلعاً إلى تغيير صورة إسرائيل، ويبدو أنه حقق شهرة معتبرة بمواصلة أسلوبه الاستعراضي الخاص، تاركاً أثراً لا ينسى خلال السنوات الثلاث الماضية، فقد مَزَّق تقرير مجلس حقوق الإنسان عام 2020 بسبب إدانة التقرير إسرائيل لانتهاكاتها المرتكبة ضد الفلسطينيين، ومن ثم قام بتلاوة أسماء الإسرائيليين الذين قتلوا في الهجمات أو أثناء الخدمة العسكرية عام 2021، وهجم على الرئيس بزعمه أن خطاباته ملفقة كونه يُمَجِّد الإرهابيين ويمولهم، علاوة على هجومه المستمر على خطابات ممثل فلسطين، مدعياً أنه يستخدم الأمم المتحدة كمنصة للتحريض على كراهية إسرائيل، وهي كلها حركات توحي بأنه يوجه كلامه لغلاة المتطرفين الإسرائيليين وليس للهيئة الدولية الموقرة من كل العالم باستثناء إسرائيل.
صَدَقَ إردان في لومه الأمم المتحدة ولكن ليس لأسبابه التي تريد طمس قضية اللاجئين ومحوها من الوجود كشاهد على النكبة، بل اللوم والعتب على الأمم المتحدة لأنها تعودت على وجود الظلم والظالم والمظلوم، والتعوُّد على ركون المظلومين للظلم، حتى باتت رؤية الظلم أمراً مألوفاً من غير أن يحركوا ساكناً، ولأن سياستها أنتجت واقعاً تطبَّع فيها الظلم، والتعتيم على المظلومين وأصحاب الحق.
تكتسب المعركة الدولية والقانونية في أروقة الأمم المتحدة ومؤسساتها الحقوقية الأهمية الكبرى في عملية حسم الصراع وتعديل موازين القوى، لذلك لا بد من أساليب جديدة في اعتلاء المنابر ومخاطبة المجتمع الدولي، باصطحاب عائلات ضحايا الاحتلال، شهود وشواهد استمرار النكبة الفلسطينية، لقوة خاصة بهم لأنهم يمثلون قوة القضية، الذين يقفون مع امتداداتهم في وجه الاحتلال لمنعه من الوصول للقضية واستئصالها.