الانتخابات المحلية في قطاع غزة والاستحقاق الأشمل
دعا الاجتماع الذي ضم قوى العمل الوطني ومؤسسات المجتمع المدني والفعاليات في قطاع غزة بدعوة من حركة حماس تحت عنوان التشاور والتباحث في إجراء انتخابات هيئات الحكم المحلي في قطاع غزة، إلى إجراء الانتخابات المحلية في القطاع الذي يضم خمساً وعشرين هيئة محلية تضم حوالى مليون ناخب تم حرمان معظمهم، من حقهم في انتخاب الهيئات المحلية التي تمثلهم خلال ثلاث دورات انتخابية سابقة جرت في المحافظات الشمالية فقط وحرم منها الناخبون في قطاع غزة، ولفترة تزيد على ثمانية عشرة عاماً منذ العام 2005، علما أن آخر انتخابات لمجلسي خان يونس ومدينة غزة المدرجين على قائمة انتخابات المرحلة الخامسة تعود إلى العام 1976، إبان الاحتلال.
أخيراً، استجابت حكومة الأمر الواقع في قطاع غزة التي تديرها حركة حماس إلى المطالب المتكررة من قبل المؤسسات الجامعة كلجنة الانتخابات المركزية والهيئة المستقلة لحقوق المواطن، وكذلك دعوات سابقة من مؤسسات المجتمع المحلي في الضفة والقطاع، ومن الواضح أن حركة حماس قامت بإلغاء اشتراطها المتعلق بوحدة وترابط إجراء الانتخابات التشريعية والعامة والمجلس الوطني مع الانتخابات المحلية، فانحنت أمام الواقع وسيل المطالب المحلية ولجأت إلى فصل الانتخابات المحلية عن باقي الاستحقاقات الانتخابية، كاستحقاق لا يمكن استمرار التهرب منه والاختباء خلفه طويلاً وتبريره بالأبعاد السياسية والانقسام، نظراً لخصوصية الانتخابات المحلية وطبيعتها ووظيفتها الخدمية التخصصية المرتبطة بوظائف وواجبات متصلة بحياة المواطن اليومية المثقلة بالهموم والاحتياجات من جانب، وفي الجوانب الأخرى معالجة تداعيات الحروب العدوانية المتوالية على القطاع واستهدافها تدمير البنيتين، التحتية والفوقية، وآثار الحصار الطويل الجائر، علاوة على النتيجة المتحصلة من تجربة اللجوء إلى سياسة تعيين البلديات، الحزبي أو الائتلافي، لم تخدم الحصول على الاعتراف بشرعيتها أو توفير الدعم المادي لها.
الكل الفلسطيني يقف على رؤوس أصابعه بانتظار قرار مجلس الوزراء برئاسة د. محمد اشتيه وفق الصلاحيات المسندة له بتحديد موعد إجراء الانتخابات المحلية في القطاع وتكليف لجنة الانتخابات المحلية باتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة والإدارية لخوض الانتخابات التي بدورها أعلنت عن جهوزيتها، وانتظارها قرار الحكومة والتكليف الذي يبدو أنها ستنتظره طويلاً، ضمن الظروف والبيئة السياسية ومستجداتها والانطباعات غير المبشِّرة التي خلّفها اجتماع الأمناء العامين الفاشل في العَلَمين، انطباعات مأسسة الانقسام وتكريسه، وتبديد الآمال في إمكانية إنهائه في المدى القريب واستعادة الوحدة الوطنية!
التباعد بين جناحي الوطن أصبح أمراً واقعاً ترسخ بفعل طرفيه الذي تضاربت في سياقاته المصالح الفئوية، ليصبح المعيار وأداة القياس مدى تحقيق الخطوات السياسية للمصالح والمنافع المتناقضة لطرفيه.. غزة في نظر البعض في الضفة الغربية باتت عبئاً ثقيلاً على الصعيدين المادي والسياسي يخلو من هدف السيطرة ودسمها، بينما ترى حماس في الضفة مسؤوليات واستحقاقات مالية دون التزامات سياسية.
ثمة متغيرات سياسية طرأت على مواقف طرفي الانقسام عبرت عنها النتائج الصفرية للجهود والآمال التي علقت على اجتماع العلمين لإنهاء الانقسام، ويبدو أن الأمر واحد من خيارين: إما أن هناك مقاصد واضحة ومبيتة تريد دفع الشعب الفلسطيني للتسليم بواقع الانقسام وتحويله إلى انفصال، أو أن أحداً لا يبالي بالنتائج الكارثية التي يتركها استمرار الانقسام على قضيتنا وحقوقنا الوطنية.
لا بد من مواصلة الضغط من قبل كل القوى السياسية والمؤسسات المجتمعية للتسريع في إصدار القرار الوزاري بتحديد موعد الانتخابات المحلية، ليس في قطاع غزة فقط رغم أولويته السياسية للاطمئنان على أمل استعادة التوحد المصيري بين جناحي الوطن، وأن يحمل القرار معه المجالس التي لم تجرِ انتخاباتها في انتخابات 2021/ 2022 وعددها 27 هيئة محلية، وكذلك المطالبة بأن يحمل القرار معه إعادة انتخاب المجالس التي تعثرت بعد أن تم انتخابها وعددها 35 هيئة محلية، كما جاء في مطالب مؤسسات المجتمع المدني ذات الاختصاص في المحافظات الشمالية والجنوبية.
يستطيع أي طرف أن يتذرع بأي حجة، بل لأن يخترع أي سبب لتأجيل هذا الاستحقاق، كموضوع المحاكم المختصة والإشراف الأمني والاعتقالات، بينما يضمر تكريس الواقع الانقسامي، ولكن لنتذكر معاً أن هذه الأسباب جميعاً ليست هي التي أجلت الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في أيار2021، ومهما كانت أهمية الانتخابات المحلية وهي مهمة فعلاً وضرورياً، لكنها لا ينبغي لها أن تحجب الانتباه بل ينبغي أن تشجع الجميع على التوجه دون خوف نحو الاستحقاق الأشمل وهو الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني.