«بريكس» والطريق إلى عالم متعدد الأقطاب

2023-08-25 11:57:16

تشكلت مجموعة الدول الصناعية السبع في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وجاء ذلك بناء على دعوة من الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني في ذلك الوقت لمناقشة الأزمة المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار البترول التي تسبب بها الوقف الجزئي لتصدير النفط أثناء حرب أكتوبر العام ١٩٧٣، ولفقدان المؤسسات المالية الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية قدرتها على تحديد سعر ثابت لتبادل العملات، وللاتفاق على آليات للتعامل مع هاتين المعضلتين.

الاجتماع الذي عقد في فرنسا العام ١٩٧٥ وجمع الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، اليابان، انضمت له كندا العام ١٩٧٦، وتحول الى اجتماع سنوي يعرف باجتماع مجموعة الدول السبع.

لكن هذه المجموعة التي كان همها الأساس حماية اقتصاداتها من ارتفاع أسعار البترول وتقلب أسعار الدولار تحولت في ثمانينيات القرن الماضي الى تكتل أمني وسياسي، وليس في هذا غرابة، إذ إن جميع هذه الدول أعضاء في الناتو وأنظمتها السياسية متشابهة، ولهذا عملت معاً على إفشال الغزو السوفيتي لأفغانستان وعلى تصعيد سباق التسلح العالمي الذي أدى في النهاية الى انهيار الاتحاد السوفيتي وتمزقه الى خمس عشرة دولة.

في المقابل تشكلت مجموعة دول «بريكس» العام ٢٠٠٩ في اجتماع دعت له روسيا وانضمت له الصين والهند والبرازيل لمناقشة آليات مواجهة الهيمنة الغربية على الاقتصاد العالمي ولتنسيق جهودها للعب دور أكبر في المسرح السياسي العالمي. المجموعة انضمت لها دولة جنوب أفريقيا العام ٢٠١٠، وأصبحت تعرف بعدها بدول مجموعة «بريكس».

الاسم، بريكس، مأخوذ من الحرف الأول لكل دولة وهو في الأصل من اختراع الاقتصادي الإنجليزي جيم أونيل، الذي لاحظ العام ٢٠٠١ أن الاقتصاد الصيني والهندي والروسي والبرازيلي ينمو بشكل متسارع وسيصبح منافسا لاقتصاد الدول الغربية مُطلقا على هذه الدول اسم مجموعة «بريكس».

على عكس مجموعة الدول السبع المنسجمة سياسياً مع بعضها بحكم تشابه أنظمتها السياسية، دول «بريكس» متباينة سياسيا واقتصاديا، لكن ما يجمعها هو رغبتها في كسر الاحتكار الغربي للنظام الاقتصادي العالمي الذي يحكمه الآن التبادل التجاري بالدولار ونظام سويفت للحوالات المالية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي للإقراض المالي.

هذه الدول تشعر بغبن شديد مثلاً في طريقة تمثيلها في البنك الدولي. الولايات المتحدة مثلا لها 16.41 صوتاً في مجلس إدارة البنك، بينما الصين لها 2.79 صوتاً، وبينما فرنسا لها 4.31 صوتاً، روسيا والسعودية لدى كل منها نفس وزن الصين في التصويت، وهذا بالطبع يجعل كل القرارات التي تخرج عن هذه المؤسسة في خدمة المصالح الغربية بشكل مباشر، والحال هو نفسه في صندوق النقد الدولي.

إن نظرة سريعة على اقتصاديات دول الـ «بريكس» تظهر لنا أن لهذه الدول فرصة كبيرة لتغيير النظام الاقتصادي العالمي إذا ما تمكنت من التغلب على التباينات فيما بينها.

في العام ١٩٩٥ كانت حصة مجموعة الدول السبع من الإنتاج العالمي (مقاسا بقيمته كقوة شرائية) 44.9% بينما كانت حصة دول بريكس 16.9%، اليوم أصبحت حصة هذه الدول 32.1% بينما انخفضت حصة مجموعة السبع الى 29.9%، وهذا الفارق سيتعاظم بحلول العام ٢٠٢٨ بست نقاط تقريباً وفقاً لحسابات صندوق النقد الدولي.

اليوم خطت دول بريكس خطوة مهمة في طريق سعيها لكسر الهيمنة الغربية على الاقتصاد العالمي من خلال موافقتها على توسيع عضويتها لتشمل ست دول أخرى هي السعودية والإمارات ومصر وإيران وأثيوبيا والأرجنتين.

لاحظوا أن أربع دول من دول بريكس الآن (روسيا والسعودية والإمارات وإيران) تمتلك نصيب الأسد من إنتاج الطاقة العالمي.

بهذه الخطوة عززت دول بريكس أهميتها الاقتصادية على الصعيد العالمي. لكن حتى يتم ترجمة ذلك عملياً سيكون عليها خلق مؤسسات مالية موازية لتلك الموجودة حاليا والتي يهمين الغرب عليها بشكل مباشر، ونقصد بذلك نظام تحويلات مالية مواز لنظام سويفت يسمح بالتبادل بالعملات المحلية بدلاً من الدولار (أو إيجاد عملة موحدة بين دول بريكس مثل اليورو في الاتحاد الأوروبي).

الخبر الجيد أن دول بريكس لديها صندوق مالي للإقراض تحت اسم بنك التنمية الجديد برأس مال يفوق المائة بليون دولار ومقره الصين، وبالتأكيد فإن رأس مال هذا البنك سيرتفع مع دخول السعودية والامارات الى المجموعة.

لكن التعامل بالعملات المحلية في التجارة وخلق نظام للحوالات المالية كبديل عن نظام سويفت يحتاج الى مفاوضات معقدة بين دول المجموعة، وهذا سيستغرق وقتاً طويلاً.

كما أن تحويل قوة هذه الدول الاقتصادية الى قوة سياسية يحتاج الى تفاهم أكبر فيما بينها. صحيح أن جميع هذه الدول لم تنضم الى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا مثلا، إلا أن العديد منها لا يريد أن يتصادم مع الولايات المتحدة. أهم الشركاء التجاريين للصين مثلاً هم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وليس روسيا أو الهند.

كذلك لا يمكن توحيد الرؤى السياسية بين بلدان مجموعة بريكس إلا إذا تم التغلب على الخلافات السياسية الموجودة بين بعض دولها. السنة الماضية فقط كان هنالك اشتباك عسكري بين الصين والهند في منطقة جبال الهمالايا.

  قيام مجموعة بريكس بتوسيع عضويتها إذاً هو خطوة مهمة في طريق إنشاء عالم متعدد الأقطاب، لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام تجسيد ذلك على أرض الواقع.