أدوات التغيير بعيدًا عن مؤتمرات المناخ الدرامية
منذ مؤتمر المناخ في باريس عام 2015، حيث أُبرم اتفاقٌ للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لم يُحرز تقدم جدي نحو تحقيق أهداف التخفيض المطلوبة.
كما أن نتائج مؤتمر المناخ السنة الماضية في شرم الشيخ (COP27) لا تختلف، مع ذلك، لا داعي للانتظار حتى المؤتمرات القادمة لتحقيق تقدم ما، إذ توجد حاليًا مجموعة متنوعة من أدوات السياسة والتقنيات والأطراف المهتمة التي يمكنها إحداث تغيير في الواقع المناخي.
في السنوات الأخيرة، أُحرز تقدم عالمي كبير في مجال تحسين القدرة التخزينية للطاقات المتجددة؛ علمًا أن إحدى العقبات الرئيسة أمام إنهاء استخدام الوقود الأحفوري (الفحم والنفط والغاز الطبيعي) تتمثل في حقيقة أن البدائل، مثل الرياح والطاقة الشمسية، غير متوفرة باستمرار؛ بل حتى وقت قريب كانت هناك صعوبة في التخزين طويل الأجل للطاقة التي تولّدها مصادر الرياح والطاقة الشمسية وغيرها.
لحسن الحظ، توجد اليوم تقنيات ذات قدرة تطبيق تجارية تتيح تخزين طاقة أكثر كفاءة، بحيث يمكن استخدامها لكهربة المركبات أو لتشغيل أنظمة التدفئة، كتلك التي تحتاجها الدول الأوروبية التي تواجه نقصًا في الغاز الطبيعي بسبب الحرب في أوكرانيا.
يمكننا التعرف إلى أمثلة واضحة تتصل بالتقدم الحاصل في بعض البلدان، كما في إيطاليا حيث طُورّت منشآت لتخزين الطاقة.
مثال آخر هو ميناء روتردام في هولندا، حيث من الضروري تفعيل وسائل التدفئة، وقريبًا ستُنّفذ هذه العملية بسعة تخزين محسّنة لطاقة الرياح المنتجة من البحر، ليس بعيدًا عن الميناء.
وقَدَّر تقرير شامل صادر عن شركة الاستشارات الدولية McKinsey نُشر أخيرًا، بأن السنوات القادمة ستشهد انخفاضا كبيراً في تكلفة مرافق التخزين.
قد يأتي أحد المرتكزات المهمة الأخرى في تطوير الطاقات المتجددة من استخدام الهيدروجين، في هذا المجال أيضًا، أُحرز تقدم كبير في البحث والتطوير، مع أنه لا يزال من غير الواضح متى وإلى أي مدى يمكن إنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يُنتج باستخدام الطاقات المتجددة، وهذا بطبيعة الحال يعتمد على الاستثمار في البحث والتطوير، ففي نوفمبر من العام الماضي تحديدًا، دعت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا" دول مجموعة السبع إلى تسريع استثماراتها في تطوير الهيدروجين الأخضر.
التركيز على الهيدروجين الأخضر ليس مفاجئًا؛ إذ يُعد مصدر طاقة يُنتج بفصل الهيدروجين عن الأكسجين في الماء؛ في عملية مدعومة بالطاقة المتجددة.
أدوات السياسة الاقتصادية التي يمكن أن تحفّز التحول نحو الطاقات المتجددة موجودة حقًا. فوفقًا لتقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تُنظم حاليًا ما يقارب 40٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم بواسطة ضريبة الكربون الموجودة في 71 دولة؛ إلا أن هذه الضريبة لا تزال منخفضة.
وسيتيح التوسع في استخدام هذه الأداة توفير الأموال الناتجة عن الرسوم الضريبية، لاستثمارها في الطاقات المتجددة.
في البلدان التي تعارض هذه الضريبة، مثل الولايات المتحدة الأميركية، يمكن استخدام إجراء آخر، وتحديدًا توفير الإعفاء الضريبي لمنتجي الطاقة المتجددة، وبالتالي ستتحسن قدرتهم على التنافس مع منتجي الطاقة من النفط والغاز.
مسار العمل الآخر يتمثل في تقليل انبعاثات غاز الميثان إلى حد كبير- وهو أحد غازات الدفيئة القوية - وهذا ممكن من الناحية التكنولوجية؛ إذ يمكن منع عديد من هذه الانبعاثات، وذلك بمعالجة أكثر كفاءة وصرامة في مراكز الانبعاثات، في سلسلة إمداد الغاز الطبيعي.
إجراءٌ فعال إضافي يتمثل في منع دفن النفايات، أو إنشاء بنية تحتية لجمع غاز الميثان في مواقع دفن النفايات الحالية، والتخفيض الكبير في انبعاثات الميثان يُعد أكثر الوسائل فعالية ومتاحة لمنع تفاقم أزمة المناخ على المدى القصير.
مواجهة الأزمة لا تحتاج إلى خطابات مضلّلة
الاستعدادات لمواجهة عواقب أزمة المناخ لا تحتاج إلى بيانات صِيغت في اللحظة الأخيرة في المؤتمرات الدرامية؛ إذ يمكن إحراز تقدم باستخدام الأدوات المتاحة.
فعلى سبيل المثال، توجهات البرازيل والكونغو وإندونيسيا للتعاون في حماية الغابات المطيرة، يمكن أيضًا أن تشكل خطوة مهمة في الحفاظ على الوظيفة الحيوية لهذه الوسيلة الطبيعية للتخفيف من عواقب الأزمة.
في أنحاء مختلفة من العالم أُحرِز تقدم كبير في السنوات الأخيرة باستخدام حلول إضافية قائمة على الانسجام مع الطبيعة، ومن أبرز هذه الحلول الحفاظ على السهول الفيضية الطبيعية للجداول والأنهار التي يمكن أن تقلّل إلى حد كبير من الأضرار غير العادية الناجمة عن أحداث الأمطار المتطرفة.
استخدام الأدوات المتاحة للتعامل مع أزمة المناخ لا يعتمد فقط على إقناع الحكومات المستهترة أو الشركات الجشعة؛ إذ توجد شركات كبيرة لها مصلحة اقتصادية حقيقية في تطوير بدائل للوقود الأحفوري.
كما أن هناك مدناً كبيرة تتمتع بقوة اقتصادية مماثلة لتلك التي لدى الدول، ويمكن بالتالي لهذه المدن أن تضع معايير للبناء الأخضر بهدف تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
حاليًا توجد قاعدة بيانات كبيرة للحلول المناخية التي تُنفّذ في عدة مدن كبرى في العالم، علمًا أن بعض الحكومات أكثر حصانة من غيرها ضد تأثيرات وضغوط أصحاب المصالح الاقتصادية والاحتكارات.
مثال على ذلك، ولاية كاليفورنيا، حيث تتمتع "وكالة حماية البيئة" بقدر كبير من القوة، وتتمتع بموقف تنظيمي قوي في مواجهة الكيانات والمصالح التجارية، وقد اتخذت قرارات بعيدة المدى لتعزيز الطاقات النظيفة، بما في ذلك فرض ضرائب مرتفعة على الكربون.
يمكن أيضًا استغلال آليات السوق، كما تثبت حالة الولايات المتحدة المثيرة للاهتمام، فبعد أن اتضح للصناعة المحلية أن سعر إنتاج الطاقة من الشمس انخفض كثيرًا، طرأت زيادة كبيرة على استخدام هذه الطاقة، ولم يتغير هذا الاتجاه حتى في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب الذي أوقف مشاركة الولايات المتحدة في النشاط الدولي الخاص بالتعامل مع أزمة المناخ.
إن الجمع بين الجدوى الاقتصادية (نتيجة للتطور التكنولوجي)، والدعم العام الواسع والسياسات المناخية السليمة في بعض البلدان، يمكن أن يكون له تأثير تراكمي بعيد المدى، الأمر الذي سيغير طريقة عمل سوق الطاقة العالمي، وسيرغم المزيد من الحكومات على الانضمام إلى الخطوات المؤدية إلى التخلص من الوقود الأحفوري، نَعم يمكن أن تساعد الخطابات في مؤتمرات المناخ، لكن لا يمكننا الاعتماد عليها وحدها لتحقيق اختراقات.
تغيير النظام الاقتصادي الذي يمجّد الاستهلاك
نُشِر في الآونة الأخيرة تقرير شامل أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول مشكلة النفايات البلاستيكية.
كما نُشر تقرير عن أزمة المناخ وانعكاساتها ومدى الجهوزية لمواجهتها، أعدّته الهيئة الحكومية الدولية المَعنية بتغير المناخ-IPCC (فريق دولي من العلماء تابع للأمم المتحدة يبحث ويقيّم التغيرات المناخية)، وشارك في كتابته مئات العلماء.
تُظهر التقارير أن العَالم لا يزال غارقًا في النفايات البلاستيكية، ومتخلفًا جدًا في مدى الاستعداد لمواجهة الكوارث البيئية والاجتماعية التي ستحدثها أزمة المناخ.
يواصل علماء الأمم المتحدة في تقريرهم الجديد تجاوز دورهم التقليدي؛ فهم لا يعملون في التحليل المناخي فحسب، بل يناقشون كذلك قضايا اجتماعية واقتصادية، وإلى حدٍ ما سياسية أيضًا.
النقاش يتم بطريقة انتقائية إلى حد ما، بمراجعة قائمة طويلة من المدارس الفكرية والسياساتية في مجالات لا تتعلق مباشرة بعلوم المناخ.
ظاهريًا، يبدو هذا نهجًا طنانًا من قِبل مؤلفي التقرير، لكنه عمليًا عبارة عن تحليل للعلاقة الوثيقة بين ما يحدث في الغلاف الجوي أو النظم البيئية والأنماط الحياتية والسلوكية التي يعمل وفقها المجتمع البشري.
مثال مُعاصر بارز لمثل هذا الارتباط يتصل بالجانب الجيوسياسي، وتحديدًا العواقب المناخية للحرب في أوكرانيا؛ إذ أن الصراع أدى إلى تفجير خطوط أنابيب "نورد ستريم"، ما أدى إلى تعطيل تشغيل خط الأنابيب الذي يُفترض أن يتدفق عبره الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا؛ علمًا أن الغاز يعد عنصرًا مهمًا في تنفيذ خطة ألمانيا لإنهاء استخدام الفحم، وبالتالي تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من أراضيها.
ولمنع الكارثة البيئية والاستعداد لها في الوقت نفسه، يحاول العلماء صياغة خيارات من أجل رؤية اجتماعية مناخية، يُفترض أن تستند إلى مبادئ عدة للعدالة.
أحد هذه المبادئ هو "عدالة التوزيع"، الذي يشير إلى تخصيص الفوائد والمخاطر- في سياق التعامل مع الأزمة- بين الأفراد والأمم والأجيال، مبدأ آخر هو "العدالة الإجرائية"، ويشير إلى الطرف الذي يشارك في عمليات صنع القرار ويؤثر فيها.
أما مبدأ "العدالة المناخية" فيتطلب السعي نحو أنموذج مختلف للتنمية الاقتصادية، لا يقوم فقط على زيادة الإنتاج والاستهلاك ومؤشر النمو الاقتصادي التقليدي؛ بل المطلوب تغيير النظام الاقتصادي السائد الذي يمجّد النمط الحياتي الاستهلاكي، ليمثل مقدمةً حتمية لمواجهة جذرية ونوعية لأزمة المناخ العالمية.
المعنى البيئي لهذا النهج يجب أن يُترجم إلى التعامل مع الطبيعة، بحيث لا يقوم فقط على الاستغلال غير المحدود للموارد الطبيعية ولإنتاج السلع الاستهلاكية، بمعنى لا بد من استبدال هذا النهج بنمط تعاملٍ مع الطبيعة لا يؤذي، ويستنزف قدرتها على تلبية الاحتياجات المتنوعة، ولا يضر بقدرتها على التجدد، ولهذه الغاية، يجب إعطاء الأفضلية للحفاظ على النظم الإيكولوجية التي تعد ضرورية أيضًا للتعامل مع تغير المناخ.
والمسألة الأساسية هنا، أن تفكير ومعرفة الثقافات المحلية والشعوب الأصلية بشأن استخدام الموارد البيئية، ينبغي أن يحتلا مكانة مركزية في إدارة المناطق الطبيعية والحفاظ عليها، بهذا المعنى، فإن التقرير الجديد يكاد يكون "متمردًا" من حيث أنه يضفي الشرعية على تبني طريقة تفكير "لا غربية".
التقرير لا يقدم خريطة طريق محددة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، لأن العلماء ليسوا خبراء في حل مشاكل توزيع الثروة، أو في العلاقات بين البلدان.
بهذا المعنى، يبقى ماثلاً أمامنا الواقع القائم، حيث المشاكل البيئية معروفة وكذلك وسائل التعامل معها؛ لكن لا توجد إجابات سياسية أو اقتصادية لكيفية المضي قدمًا نحو الحل.
ومع ذلك، يعكف العلماء على تحليل إجراءات وإمكانيات عديدة يمكنها أن تخلق عَالمًا أكثر إنصافًا في عمليات اتخاذ القرار، يسعى إلى تنفيذ الإجراءات النوعية، مثل التخلي عن الوقود الأحفوري، والتحول نحو نظام غذائي نباتي، وتطوير طرق إنتاج تصبح فيها النفايات مورداً؛ وليس عامل تلويث.
أحد التحليلات المثيرة؛ للتقرير آنف الذكر، يتناول ميدان السياسة والحوكمة في السياق المناخي؛ إذ يقدم التقرير دليلاً على أن النشاط المجتمعي والشعبي يمكن أن يؤدي إلى تغيير السياسات، هكذا كان الحال في بنغلاديش، حيث أدى الضغط الشعبي إلى تغيير سياسة الطاقة في البلاد.
كما أن الضغط الشعبي في ألمانيا أدى إلى وقف عمليات خصخصة مرافق الطاقة، لصالح العودة إلى الإدارة العمومية.
ومع ذلك، فإن المشهد العام، وفقًا للتقرير ذاته، يُظهر أن جزءًا كبيرًا من الجنس البشري فقير وضعيف وعرضة لمخاطر أزمة المناخ الكارثية، كما أنه أكثر عرضة للعواقب المدمرة الناجمة عن تلويث وتدمير الطبيعة، والتي تفاقم شحّ مصادر الغذاء والماء.
إن جزءًا كبيرًا من البشرية يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى أنموذج جديد لإدارة الموارد وتنميتها، ولاقتصاد مختلف عماده تلبية الاحتياجات الأساسية للناس، واحترام التوازنات الطبيعية والأنظمة الإيكولوجية، وتأمين شروط الحياة الكريمة المستدامة.