هل تنتبه الحكومات العربية إلى الطوفان الشعبي الهادر؟

2023-10-22 14:16:09

لن تكون مرحلة ما بعد طوفان الأقصى كالتي قبلها؛ لن تستطيع أميركا استعمال "لهّاية" ما تسمّى "عملية السلام" أو "السلام الاقتصادي" لاحتواء الفلسطينيين أو لتهدئتهم هم أو معظم الشعوب العربية. على الحكومات العربية أن تواجه الحقيقة، فإذا كانت الانتفاضات العربية قد انتهت إلى انتكاساتٍ وهزائم، نتيجة غياب قيادات تحرّرية، وبسبب الثورات المضادّة والتدخّل الخارجي، فإن الحشود التي تطوف شوارع العواصم والمدن العربية استفاقت على تهديد استراتيجي لإنسانيتها ووجودها، فلا يمكن الاعتقاد أن التغيير الاجتماعي والنضال من أجل الحرّيات يكونان منفصلين عن مواجهة خطر وجود الدولة الصهيونية.

قد يكون الأهم أن الحكومات العربية وجدت نفسها في مأزق، فليس من السهولة الاستمرار في نهج علاقات التبعية لأميركا أو تبرير التعامل مع الاتفاقيات مع إسرائيل بأنها من المسلّمات التي يجب أن تستكين لها الشعوب، فحجم الوحشيّة الإسرائيلية ودعم الولايات المتحدة، بل ومشاركتها في عملية، ترقى إلى جريمة إبادةٍ بشريةٍ، أمام الكاميرات والشاشات.

خيارات الأنظمة والحكومات العربية صعبة، فواشنطن لا تهتم بمراعاة مصالح أحد، إذ إنها دخلت في حربٍ علنيةٍ ضد الشعب الفلسطيني، وليست مستعدّة لإيقاف المجازر، بل ترسل السلاح إلى إسرائيل لتستمرّ في مجازرها. ولم يعد هناك أهمية عندها لما يمكن أن تقوله أي حكومة عربية أو زعيم عربي، وهذا ما استنتجه ملك الأردن، عبد الله الثاني، فألغى، بالتفاهم مع الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، اجتماع عمّان الرباعي مع الرئيس جو بايدن. فمذبحة مستشفى المعمداني كانت الكلمة الفصل قبل بدء الاجتماع، ولم يعد له أي قيمة سوى إذا كان الهدف الأميركي إعطاء أوامر لدخول الأطراف المساهمة في الاجتماع، أي الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية، بشتّى الطرق في الحرب ضد المقاومة، بل وعلى الشعب الفلسطيني. بعدها اشترك بايدن في المساهمة في الكذب، بتبنّي الدعاية الإسرائيلية وفي ازدراء حياة الفلسطينيين، فالخط الفاصل قد رسم على الرمال، وقد بات جليا أن نظرة واشنطن إلى الأنظمة دونية، تقرّرها قدرة هذا النظام أو ذاك على أداء دور وظيفي. وقد كان الوضع دائما على النمط نفسه، لكن عملية طوفان الأقصى والحرب الأميركية الإسرائيلية الهمجية، ومشاهد الحب والمحبّة والإخاء بين بايدن والمسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، وهي مشاهد غير مسبوقة، لم تبُقِ للحكومات والزعماء العرب أي قدر من الهيبة أمام شعوبهم الغاضبة، المنتصرة لإنسانية الفلسطينيين وإنسانيتها، التي لم تعد تتحمّل خنوعا وعُرياً أمام مجازر إسرائيل، سواء خلال النكبة وقبلها وبعدها، وخلال الاجتياح الإسرائيلي لبنان عام 1982، وحروب واشنطن على العراق في عامي 1991 و2000.