تعطيل مخطط التهجير من غزة

2023-11-28 18:21:25

الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يهدد ويحاول تهجير سكان غزة إلى سيناء المصرية، وسكان الضفة الغربية إلى الأردن أو إلى أيّ مكان، لكن أظن أن الموقف المصري القوي والواضح أوقف مؤقتاً الخطط الإسرائيلية.
في التفاصيل، فإن هناك وجهة نظر تقول: إن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ينفذ بالفعل عملية التهجير بصورة عملية.
هم يضيفون أن جوهر الجريمة الإسرائيلية هو تحويل قطاع غزة، خصوصاً في الشمال، إلى مكان غير قابل للحياة، وحينما يحدث ذلك فإننا نكون في قلب مخطط عملية التهجير القسري.
أظن أن العدوان الإسرائيلي يراه الجميع على الهواء مباشرة منذ يومه الأول في 7 تشرين الأول الماضي. وقد رأينا جميعاً كيف أنه يقوم بقصف ممنهج للمباني في غزة. القصف لا يحدث نتيجة وجود مقاومة فلسطينية في هذه المنازل، بل تتم إزالتها لهدفين أساسيَّين: الأول قتل أكبر عدد من الفلسطينيين، والثاني دفع من يتبقى منهم إلى الإيمان اليقيني بأنه غير قادر على الاستمرار بالعيش في غزة.
على عهدة حكومة غزة، فإن 58% من مساكن غزة قد تدمرت كلياً أو جزئياً، وإن هناك أكثر من مليون نازح الآن داخل القطاع معظمهم كانوا يعيشون في الشمال.
وكان لافتاً التعبير الذي قاله المقرر الدولي الخاص بالسكن اللائق، بالاكر راجو غوبال، حيث قال: «قتل المنازل يحدث الآن في غزة»، مشيراً إلى أن 45% من جميع الوحدات السكنية في غزة قد تدمرت أو تم إتلافها، وكان ذلك في 7 تشرين الثاني الجاري.
أقول تعبيراً جديداً؛ لأننا نسمع دائماً أن القتل يكون للبشر أو حتى للحيوانات، لكن قتل المساكن فهذه هي المرة الأولى التي أسمع بهذا التعبير شديد الدلالة.
نتذكر أن إسرائيل، منذ اليوم الأول للعدوان، طلبت رسمياً، وعلى لسان العديد من المسؤولين صغاراً وكباراً، أن يغادروا غزة متجهين إلى مصر. ونتذكر أنها، في الأسبوع الثالث للحرب، طلبت من 1.1 مليون شخص من سكان شمال القطاع التوجه نحو الجنوب، ثم قامت بمحو أحياء كاملة من الوجود وسوّتها بالأرض، وحينما وصل النازحون جنوباً فوجئوا بأن إسرائيل تواصل استهدافهم في الطرق.
هم احتموا بالمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، فتم قصفهم داخل كل هذه المنشآت التي كان العالم كله يعتقد أنها غير قابلة للقصف.
إذاً إسرائيل قصفت كل شيء في غزة.. هي تقول: إنها قصفت ٢٥٠ هدفاً في يوم واحد مثلاً، لكنها لا تذكر أن معظم هذه الأهداف كانت المباني والأطفال والنساء وكل ما يتحرك.
الخلاصة أن شمال قطاع غزة والعديد من مدن القطاع لم تعد صالحة للحياة الإنسانية، وحتى لو توقف القتال وتوفرت الأموال، فإن ذلك يحتاج سنوات.
والسؤال هو: إلى أين يذهب الفلسطينيون خلال هذه الفترة؟!
صار واضحاً أن إسرائيل تدفع الفلسطينيين دفعاً للتوجه نحو الحدود المصرية بأعداد كبيرة، وبالتالي يتحقق التهجير وتمنع إسرائيل عودتهم لاحقاً إذا قررت فعلاً احتلال غزة أو حتى إقامة مناطق أمنية عازلة، خصوصاً في الشمال والشرق، ظناً أن ذلك سيمنع الهجمات نهائياً أو على الأقل يخفّضها إلى أقل قدر ممكن.
والمثال الأبرز على كلامي أنه حتى أثناء الهدنة، التي بدأت صباح الجمعة الماضي، رفضت إسرائيل عودة المواطنين الفلسطينيين إلى بيوتهم في شمال غزة، بعد أن فصلته عن الجنوب والوسط تمهيداً فيما يبدو لتحويله منطقة عازلة مثلما تحلم إسرائيل.
ما أريد قوله: إن علينا كفلسطينيين ومصريين وعرب، وكل من بقي لديه ضمير، أن نتعامل مع المخطط الإسرائيلي باعتباره يتم تنفيذه فعلاً، وبالتالي عدم الاكتفاء بالشجب والإدانة، بل اتخاذ خطوات عملية لإجهاض هذا المخطط ووقف تنفيذه، وعدم الرهان كثيراً على ما يسمى «المجتمع الدولي» بعد أن اكتشفنا أن معظمه يدعم إسرائيل علناً ويبارك جرائمها، في حين يقدم لنا الكلمات المعسولة والتصريحات فارغة المضمون.
الشيء المطمئن الأساسي في هذا الأمر هو الموقف المصري القوي وتأكيد الرئيس السيسي، الخميس الماضي، في إستاد القاهرة، على الرفض الكامل لمخطط التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية، ثم تغيّر الموقف الأميركي باتجاه دعم الموقف المصري على لسان الرئيس جو بايدن نفسه.
في كل الأحوال نحتاج دائماً إلى التنبه، واليقظة الدائمة؛ لأن مخطط التهجير موجود في الأدراج الإسرائيلية منذ عشرات السنين، وليس مجرد رد فعل على عملية «طوفان الأقصى».