صراع العقل والقلب في المشهد الفلسطيني
مما اشتهر عن العقل القوة والصلابة والتركيز والقدرة على التمييز بين المتاح وغيرالمتاح والثبات في الحفاظ على موقفه في التمييز بين الغث والسمين وارشاد كل ضلال الى الصواب متى ما ضل صاحبها ، وفي الجانب الاخر من مركز تكليف النفس البشرية بقرار رباني ، يقع القلب الذي يمتاز باللين واليسر وتغليب العاطفة على المنطق ، العقل والقلب ، متضادان لا يكتمل احدهم الا بوجود الآخر، متضادان ربما يمكن الاستئناس بهما لسبر اسرار الحالة الفلسطينية وما عصف بها من احداث ، و تحديدا طوفان الاقصى الذي ادخل كل فلسطيني في صراع بين عقله وقلبه ، فالغالبية العظمى من ابناء شعبنا بعد سنوات من احصاء الخيبات وعد الهزائم دفعتهم عواطفهم الجياشة لتأييد ودعم واسناد الطوفان ، دون اكتراث بالخسائرالفادحة التي بانت بوادرها منذ اللحظة الاولى وما زالت تنهش كل ما هو فلسطيني في قطاعنا المحاصرالمستهدف بحرب ابادة وتطهيرعرقي لا افق قريب بانهائها ، وفي حسابات القلب لم يكن هناك اي اعارة للتوقيت ان كان مناسبا ام لا !!
فكيف هي اذا حسابات العقل الذي اتخذ من الصبر سلاحا له واستخلص مما مضى من احداث سابقة العبر، للحد من تأجج العواطف محاولا انقاذ ما يمكن انقاذه ودرء لمخاطر قد تؤدي الى حدوث كوارث ، الشعب في غنى عنها ، حسبما يرى المشهد .
روايتان يجدهما كل محاور او مجادل في اي منزل ، بين من استند الى قلبه او ارتكز لعقله لتفسيرما يدور في الساحة ولكل مبرراته وحساباته ، وربما منطلقاته التي يرفض ان يراها تتداعى على وقع المشهد غير المألوف للواقع المعاش .
صراع ليس بالجديد في الحالة الفلسطينية وعلى مر العقود الماضية وهي تشهد السيناريو ذاته يتكرر مع تعديلات لبعض التفاصيل وتماثل كامل للجوهر ، وهناك من القيادات من مضى قدما ونزعات ورغبات الشعب ، وقلة قليلة ولكن كانت دون تأثير فعلي آثرت التريث والانتظارلقطف ثمار محتملة !! صراع بين الواقع والمأمول ، صراع بين الرصاصة والسياسة ، بين المألوف والمستحدث ، بين الحاضرالراهن الوهن والميدان الملتهب .
وفي خضم ما شهدته فلسطين منذ ما قبل عهد الانتداب البريطاني واغتصاب ارضها واقامة دولة الكيان وتهجيراغلبية شعبها ، ومن رحم النكبة والنكسة ، انطلقت ثورة فلسطينية ، اطلق عليها "ثورة المستحيل " لانها جاءت مخالفة للمخططات المرسومة منذ زمن طويل مضى ، بكلمات اخرى متمردة على ما اريد لها من خنوع ، ثورة اعلنت نتيها مواجهة الاحتلال والعمل على طرده من اراضيها دون ان تدرك ان الالغام ، زرعت في طريقها من كل صوب وحدب ، من العرب والعجم ، فتلونت اشرعتها لمواجهة الرياح العاتية والعواصف الرعدية الهادفة للقضاء عليها ؟!
لا يمكن لاي كان ان يتجاهل حقائق فرضها طوفان الاقصى بعد سنوات عجاف ، دخلت فيها القضية الفلسطينية مرحلة غاية في الخطورة والاضمحلال الى درجة النسيان ، حيث يعتقد الكثير ان شمس الحرية على وشك ان تسطع مع الوقت بعد ان عاد الشأن الفلسطيني الى صدراة المشهد العالمي بكل اطيافه ، بعدما اغرق الطوفان العالم ومن قبل دولة الكيان وحرك المياه الراكدة وشكل علامة فارقة في التاريخ الفلسطيني ، طالت تداعياته بعد دولة الكيان التي اهتزت اساساتها ، دول الجوار والعالم اجمع ، واسقط القناع عن الوجوه الحقيقية والتي منها من ابيض ومنها ما شاه .
المخاوف التي فرضها الطوفان ، دفع بهده الوجوه الزائفة ومن والاها من المنافقين واصحاب المصالح من العرب والعجم ، الى المسارعة في محاولات نجدة هذا الكيان والذي ما هو الا مشروع جرى التخطيط له منذ ما قبل القرن الماضي ، وتقديم ما يلزم لاخماد الطوفان الفلسطيني ، حرصا على مصالحهم الفئوية والذاتية ، و اعلاءا لراية الصمت التي غلفوها بالحكمة التي لم تحرر شبرا ولم تطلق اسيرا ، غرقوا في محاولاتهم ظنا منهم انها ايام معدوات و ستعود بهم عقارب الزمن الى ساعتهم التي يشتهون ، مراهنين على قوة وهنت امام ارادة صلبة وعزيمة قوية ، ومن قبل ايمان مطلق بحق مشروع ثابت كفلته القوانين الالهية والوضعية ، فبثورته التي اتسع فيضانها تكشفت مزيد من الاقنعة الزائفة ، جارفا بطريقه احلام وردية استعمارية لدولة غاصبة لم تكتف بما اغتصبت انما اطماعها امتدت الى النيل والفرات وما بعد ان امكن .
طوفان تبعاته وسمت بما لا يدعو الى الشك دولة الكيان بالاجرام والارهاب المنظم ، لما تقوم به من قتل مع سبق الاصرار والترصد والابادة الجماعية لعزل ابرياء من الاطفال والشيوخ والنساء والمؤسسات الصحية والتربوية والبنية التحيتة ، افظع بكثير مما حل بضحايا "الهولوكست" التي ارتكبت ابان العهد النازي .
طوفان فتح العيون المغلقة عن "الهولوكست" الفلسطينية المستمرة منذ 75 عاما وعرى دولة تزعم الدويموقراطية ومن خلفها حلفائها ، فكشف عوراتهم وسوءتهم .
طوفان اظهر الخلاف المزمن بين القلب والعقل الفلسطيني ، خاصة لدى صناع القرار ، فمنهم من التزم عقلانيته وآثر مراقبة الاوضاع وتسخير وسائله الدبلوماسية المعهودة والمستهلكة ، لانقاذ ما امكن والحد من شبح الابادة الجماعية والتهجيرالقسري بحق ابناء الشعب الفلسطيني ، انطلاقا من ان ما يتعرض له قطاع غزة هو حرب وجودية ، ستكون مرحلته التالية القدس والضفة الغربية ، فسخر مساعيه لوقف العدوان البربري اولا وافشال المخططات المبيتة ، ولكن دون فاعلية تذكر حتى اللحظة .
وفي الميدان يطغى القلب وتتاجج العواطف تأييدا واسنادا للمقاومة وانجازاتها المتواضعة ، وارتفاعا في حدة الغضب الشعبي على الموقف الرسمي ، الى درجة اتهام اصحاب العقل بالمشاركة في التآمر والمشاركة بالخفاء في العدوان ، دون ادراك حقيقة هذا الاحتلال المجنون لا يميز بين اصحاب العقل واصحاب القلب ويستهدف الجميع على حد سواء ، ويستغل الصراع الدائر لتحقيق مزيد من الاطماع في الضم والاستيطان وانتهاك حرمة المقدسات الاسلامية والمسيحية وعلى راسها المسجد الاقصى المبارك والذي يكابد من قلة الوافدين اليه منذ السابع من اكتوبر لاجراءات الاحتلال التعسفية بمنع من هم دون الستين من العمر من وصوله ، ناهيك عن تقطيع اوصال الضفة الغربية بالحواجز العسكرية والترابية والبوابات الحديدية ، وفرض حصار اقتصادي واحتجاز الاموال الفلسطينية .
وسط هذه المعضلة ، تتبادر تساؤلات عدة : من هو الاصح في التعاطي بمجريات الاحداث الجارية ، العقل ام القلب ؟ ام أن هناك نواقص او تقاعس في عمل كل منهما ؟ وهل يمكن التوفيق بين العقل والقلب في المشهد الفلسطيني الملتهب ؟ هل التعاطف مع المقاومة ولو قلبيا - كأضعف الايمان – يعد من الكبائر؟ هل التعبير عن تاييد الفعل المقاوم ينتقص من ايدولوجية مخالفة لايدولوجية المقاومة ، ام يعد انشقاقا والانتماء لايدولوجية جديدة ؟ هل تقتضي الحكمة الانخراط بشكل واضح بالفعل المقاوم ، بصرف النظر عن موازين القوى الموجودة ؟
من دون شك ان طوفان الاقصى فاجئ الجميع وجاءت بتوقيت يعتبره البعض غيرمناسب !! وبعيدا عن الاختلافات الايدولوجية لدى الاطراف الفلسطينية ، الا انهم اتفقوا جميعا على عدم ادانة المقاومة الفلسطينية ، ولعل موقف الرئيس محمود عباس الذي رفض منذ البداية ادانة حركة حماس وعملية طوفان الاقصى كانت في محلها ، وكان موقفا قويا يثمن في زمن الردة ، ولكن يجب ان يتبعه خطوات عملية اخرى تراعي حسابات موازين القوى على الارض وعدم الاكتفاء بعدم الادانة ، منها وقبل اي شيء ، اعتماد مبدا الشفافية والجماهير الغاضبة واطلاعهم على كافة المساعي المبذولة لوقف العدوان البربري ، والالتحام معها وملامسة القلب الفلسطيني بعقلانية متوازنة للتخفيف من الاحتقان الشعبي ، والمبادرة فورا الى تشكيل لجان طوارىء من كافة الاطياف الفلسطينية في الضفة الغربية ، تعمل على تفعيل المقاومة الشعبية تجسيدا للوحدة الوطنية المتجلية في الميدان للتصدي للمستوطنين وعربدتهم التي طالت البشر والحجر والشجر ، يرافقها حملة توعوية واسعة النطاق من ذوي الفكروالسياسة والدين ، حتى يتوافق العقل والقلب في معالجة المشهد الفلسطيني.
لنرى المشهد على حقيقته ، بعيون وطنية ، لا عيون حزبية او فئوية او ذاتية ، حتى نتمكن من منع تسربهم كالنمل من عيوبنا .