الصمود والثبات عنوان المرحلة
من لم يستخلص العبر من المرحلة الراهنة وتبعاتها وآثارها على كل مناحي حياة الشعب الفلسطيني، فلن يتمكن من الاستفادة وتطوير أدائه بالمطلق، لم يعد ما كان يعالج نظرياً وعلى مستوى البحث العلمي افتراضياً اليوم وبحاجة إلى إثبات، بل هو مكون أساسي من مكونات وعوامل الصمود والثبات لشعبنا، فالحصاد المائي في الشتاء لم يعد ترفاً أو نشاطاً مصغراً لشخص يريد أن يثبت أنه بالإمكان، والطاقة الشمسية لم تعد أسيرة صافي احتساب القياس وليست مشروعاً نموذجياً للتجربة، بل حاجة ملحة، وحديقة المنزل أيضاً، وفي قلب هذا كله دعم وتشجيع المنتجات الفلسطينية الذي لم يعد محاولة بل ضرورة حيوية.
الصمود والثبات عنوان المرحلة القادمة، وتلك عوامل واجبة التطبيق بحيث تتحول إلى برامج في السياسة والاقتصاد والتنمية الاجتماعية والحكم المحلي والثقافة والرياضة والشباب، والطاقة والمياه والزراعة والتعليم، هذه القطاعات جميعها يجب أن تتواءم برامجها وخطتها ورؤيتها مع الصمود والثبات، ولم يعد متسعاً من الوقت للتباطؤ في هذا الأمر.
كل الخطط لاقتصاد الصمود والثبات لم تؤت أكلها نتيجة للاستخفاف بالأمر، حتى أننا ذهبنا صوب منظمة التجارة العالمية، وأعلينا من شأن اقتصاد السوق الحر، وعززنا الاستيراد غير المنظم، وحصرنا الصادرات إلى سوق واحد بنسبة 88% ولم ننوع، وتراجعت الزراعة، ولكننا اليوم أمام مفترق مصيري، إما أن نصحو ونهب صوب اقتصاد الصمود وتعزيز الاعتماد على الذات وتعزيز المنتجات الفلسطينية وتعزيز الزراعة والتعاونيات، أو أن نبقى أسرى للمزيد من تعميق التبعية.
التعليم مثلاً عامل أساسي من عوامل الصمود، وهو حاضر في كل المفاصل التاريخية التي مر بها شعبنا كيف كان، وظل حصناً منيعاً لشعبنا. واليوم نتعاطى مع التعليم كأنه قطاع هامشي وليس أساسي، فتارة وجاهي وأخرى عن بعد ومرة مختلط، ومرة نصف دوام، وحتى إدارة التعليم باتت إدارة طوارئ من حيث سد فراغ معلم غاب لأسباب منطقية ومديرة حوصرت، ولم يعد الأمر ذاهباً للفلسفة التربوية التي خطت منذ الأيام الأولى لاستلام التربية والتعليم فلسطينياً.
من الآن فصاعداً لن يكون مقبولاً ألا تكون برامجنا وجهتها الصمود والثبات، وهذا دور تشاركي بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع الأهلي وكل له دور ومهمة. المواطن هو جوهر هذه العملية وأساسها وشريك فيها ولن يكون متلقياً فقط، بل هو عنصر فاعل، وبالتالي لن يعود الغلاء خبراً عاجلاً يكتوي الناس بناره، ولن يكون البلد يخضع لقرارات ردة الفعل وليس البعد الاستراتيجي. الصمود يعني التكاملية بين الجغرافيا وبين القطاعات.
ولعل الأمثلة حاضرة بقوة اليوم كيف يستطيع الاقتصاد أن يكون موجهاً للصمود والثبات، نحن نعيش عشرات المبادرات لدعم المنتجات الفلسطينية وتعزيز عوامل الجودة ورفع القدرة التصديرية، ولكن هذه المبادرات تصطدم بقضايا تشكل حواجز أمام تحقيق الهدف سواء الاستيراد غير المنظم لسلع تضرب قطاعات إنتاجية فلسطينية في عامل واحد، وهو السعر، نتيجة لانعدام الجودة في مدخلات الإنتاج وعدم مطابقة المواصفة الفلسطينية على الاستيراد خصوصاً في الصناعات الغذائية، وهذا ينسحب على بقية القطاعات الصناعية، وتشعر للحظة أنك تقف وحيداً في وجه سياسات لم تنتصر للمنتجات الفلسطينية، فيصبح لسان حال المواطن طالما أن كل هذه الحواجز بيدنا ونستطيع أن نزيلها لماذا نتكاسل؟
وتنسحب الأمثلة على قطاعات الطاقة والمياه والبيئة وجمع النفايات والصرف الصحي والاتصالات، وتلك القطاعات هي التي يستهدفها العدوان إلى جانب الصناعة والزراعة والاقتصاد لضرب أعمدة الصمود والثبات، وطبعاً الموارد البشرية رافعة الصمود هي الأساس على مستوى القناعة والممارسة ونمط الحياة.
كما كان الصمود ممارسة ومجالاً نظرياً للبحث والتطوير، يجب أن يظل كذلك مع متغيرات أساسية وحاجة ماسة، ولعل التطورات النظرية والممارسة تفتح أفق التطوير والإثراء.