خلفيات الزيارة الخامسة

2024-01-09 14:42:52

مازال وزير خارجية الولايات المتحدة، بلينكن يجول في دول الإقليم، حيث زار حتى الان كل من اليونان وتركيا والأردن وقطر والتقى فيها مع جوزيب بوريل، منسق السياسة والامن في الاتحاد الأوروبي والامارات والسعودية ووصل إسرائيل امس وسيختم بزيارة فلسطين اليوم في زيارة خامسة لإسرائيل والمنطقة لترويج بضاعة ادارته الأميركية المشبوهة والمعادية للقضية والاهداف الفلسطينية، وللتغطية على إدامة حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني عموما وفي قطاع غزة خصوصا، التي تتواصل لليوم ال95، وسقط فيها حتى الان أكثر من 23 الف شهيد، وما يزيد 29 الف جريح، وتدمير مئات الالاف من الوحدات السكنية والمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والمؤسسات الحكومية وأماكن العبادة وتدمير هائل للبنى التحتية.
وعلى القارئ ان يتذكر دوما معلومة أساسية، ليس كل ما ينشر في وسائل الاعلام من تصريحات ومواقف يعكس الحقيقة، فما يجري في الغرف المغلقة بين ممثلي الدول لا يمت بصلة لما يعلن. واذا توقف أي إنسان امام ما يعلنه اركان الإدارة الأميركية ومنهم رئيس الديبلوماسية الأميركية، ودقق فيها جيدا، فانها تناقض الواقع على الأرض، وما يدور تحت الطاولة وغرف المحادثات بعيد كليا عن الملفات المطروحة. مثلا بلينكن كتب أمس الاثنين 8 يناير الحالي على منصة X، ان بلاده ملتزمة ب"تأسيس دولة فلسطين المستقلة"، وادعى في اعقاب لقاءاته مع المسؤولين الذين التقاهم في المؤتمرات الصحفية، إن ادارته تعمل من اجل منع توسيع النزاع الإقليمي، وزيادة المساعدات الإنسانية، والحد من الضحايا المدنيين، والبحث في اليوم التالي للحرب، والعمل من اجل سلام إقليمي دائم، والتقدم في اتجاه دولة فلسطينية.
وكل ما ذكر أعلاه لا يمت للحقيقة بصلة، لانه لو كان ذلك صحيحا، لاتخذت واشنطن قرارا واضحا وحازما لوقف الحرب التي تقودها بلاده على الشعب الفلسطيني فورا، ولدى ادارته القدرة واوراق القوة الكفيلة بوقفها متى تشاء، وهذا القرار لوحده كفيل بعدم توسيع دائرة الحرب في فلسطين والاقليم، ويمكن للمساعدات الإنسانية ان تدخل لفلسطين عموما ومحافظات غزة خصوصا، وهو ما يسمح للمواطنين الفلسطينيين بالعودة الى منازلهم ومدنهم المدمرة ويرمموا مسيرة حياتهم، ولأوقف هدف التهجير القسري للمواطنين من فلسطين، الذي مازال مطروحا على الطاولة الأميركية الإسرائيلية.
كما ان البيت الأبيض لو كان جادا في الالتزام ب"تأسيس دولة فلسطين المستقلة" لباشر بالدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام على أساس قرارات الشرعية الدولية وتطبيق خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967. ولما قام بالضغط على بعض الدول العربية للتعاون معه على إقامة روابط قرى جديدة في غزة، ولأوقف الحديث في لقاءاته مع الزعماء العرب وفي الإقليم عن ارغام البعض باستقبال اللاجئين الفلسطينيين، ولتوقف عن التلويح باستخدام ورقة الديون على بعض الدول لتنفيذ الورقة الأميركية الإسرائيلية، وكان تركز البحث الحقيقي على الحل السياسي المذكور انفا.
لكنه يبطن عكس ما يعلن. ووفق بعض المصادر فإن زيارته الخامسة لإسرائيل تنحصر في أولا ابلاغ حكومة الحرب بنتائج زيارته لدول الإقليم، وما حققه من نتائج بشأن الملفات المشتركة لتصفية القضية الفلسطينية؛ ثانيا البحث في القوة متعددة الجنسيات التي يعملون على إحضارها للقطاع للإسهام بتهجير الفلسطينيين من وطنهم الام، من حيث قوامها والدولة المقترحة للمشاركة فيها، وربط إدارتها ومرجعيتها بإسرائيل؛ ثالثا تجسير التباينات بين ادارته وحكومة نتنياهو، والتأكيد على عمق الروابط الاستراتيجية بين الدولتين؛ رابعا وضع خطة لمسار حرب الإبادة من حيث الزمن والاليات والكيفية التي تدار فيها؛ خامسا مطالبة اركان الحكومة الفاشية بالافراج عن أموال المقاصة للايحاء للقيادة الفلسطينية ب"صدق نواياها" تجاهها؛ سادسا البحث مع إسرائيل في شكل ومضمون روابط القرى الجديدة. وغيرها من الملفات ذات الصلة بحرب الأرض المحروقة.
وعليه لا يجوز الافتراض للحظة الاعتقاد ان بلينكن يحمل خيرا للشعب العربي الفلسطيني وقيادته، بل يحمل الشر والاباة وتصفية القضية الوطنية. مع ذلك لا اعتقد ان سيناريوهات واشنطن ستجد طريقها للنور لعوامل مختلفة، ابرزها وعي القيادة الفلسطينية لخلفيات الوزير الأميركي، وصمود الشعب الفلسطيني، ورفضه التهجير القسري، وأفترض ممانعة بعض الدول العربية للتوجهات الصهيو أميركية. لان الثمن الذي ستدفعه في حال تساوقت مع الرؤية الأميركية سيكون غاليا جدا.