أي مستقبل ينتظر اطفال فلسطين ؟

2024-02-20 13:35:28

وسط اتساع دائرة الجرائم الاسرائيلية وحملة الابادة الجماعية والتطهير العرقي التي يتعرض لها ابناء الشعب الفلسطيني عامة ، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص ، والخراب والتدمير الذي طال مختلف اوجه الحياة ، من بنى تحتية ومساكن ومشافي ودورعبادة اسلامية ومسيحية ، ومصانع وغيرها من المنشآت ، كان الابشع فيها والاشد قسوة ، تلك العنجهية التي تعاطى بها جنود الاحتلال وضربات المقاومة ، هو القتل بالجملة الذي طال عائلات باسرها ، وعلماء واكاديميين ورجال دين ، دون اي وازع اخلاقي ، الى درجة استهداف ارباب الاسر، رجالا كانوا ام نساء ، اما بالقتل او التنكيل الهمجي البربري أمام اعين اطفالهم !! 
إن الحديث عن أطفال فلسطين ليس بالأمر السهل ، فما هم الا صغار السن ، يعيشون في عالم انتفت فيه كل المبادئ الإنسانية ، فأي مستقبل ينتظر هؤلاء الاطفال ؟ وهل سيتمكنون من نسيان ما جرى امامهم بحق عائلاتهم ، ويستسلمون لواقع ظالم ، - من كل بد لن يدوم طويلا - ، أم ستتأجج لديهم روح الانتقام ، ما سيكون كفيلا بإدامة دوامة الصراع مشتعلة ، الى ان ينظر الله في أمر كان مفعولا ؟ وهل بات من الصعب ان تكون طفلا في فلسطين ؟ 
لا بد من الاشارة الى انه في الوقت الذي استشهد فيه خلال العدوان غير المسبوق في قطاع غزة ، والمستمر منذ اكثر من خمسة شهور، اكثر من ثلاثين الف غزي ، سبعون بالمئة منهم من الاطفال والنساء ، وحسب احصائيات منظمة الامم المتحدة للطفولة ( اليونسيف ) فإن نحو 17 الف طفل في قطاع غزة ، باتوا إما غير مصحوبين بذويهم ، بمعنى انهم انفصلوا عن عائلاتهم ولم يتبق لهم اي اقارب اخرون ، او انفصلوا عن والديهم وشردوا في الارجاء بعد استشهاد والديهم . 
ووفق ذات المنظمة الدولية ، فهناك نحو 20 الف طفل غزي ولدوا وسط جحيم الحرب والعدوان وذيوله ، والذي كان قد اشتعل في السابع من تشرين اول الماضي ( اكتوبر ) في اعقاب معركة طوفان الاقصى النوعية للمقاومة الفلسطينية والتي قادتها حركة المقاومة الاسلامية ( حماس ) . 
كما تشير التقديرات العالمية في ظل هذه البيئة القسرية المخيمة على قطاع غزة ، إلى أن أكثر من 125,000 طفلٍ دون الخامسة في الأرض الفلسطينية المحتلة ، والنسبة الاكبرمنهم في غزة " معرضون لخطرعدم تحقيق إمكاناتهم التنموية الكاملة ". كما أنهم معرضون لخطر تقليص تحديات حياتهم وقصص معاناتهم لمجرد أرقام تسرد في رواية الأزمة الإنسانية المستديمة في غزة .
من هنا يمكن القول ان هناك مستقبل مجهول قاتم ينتظر اطفال غزة ، وحتى اللحظة ليس هناك من يستطيع ان يتنبأ بالمستقبل !! فهناك جيل باكمله مقبل على الضياع ، ناهيك عن الواقع الذي اقحموا فيه ، حيث الظروف شديدة القسوة والكارثة الانسانية المحيطة بهم والمصحوبة بصدمات نفسية واضطرابات عميقة ، وتشوهات جسدية مختلفة على الاغلب ستكون طويلة الامد وربما مزمنة . 
ما يجري في قطاع غزة والكم الكبير من الشهداء وما نسبته 40 بالمئة منهم من الاطفال ، لا يستوعبه العقل البشري ، وخارج دائرة الانسانية ، وبات من الصعب توقع مصير هؤلاء الاطفال الذين يصارعون بعد فقدان اسرهم لاجل البقاء ، بمعنى انهم باتوا مجبورين على العيش ويعملون ما بوسعهم للبقاء على قيد الحياة واقصى احلامهم وسط الواقع المؤلم الذي يعيشونه حاليا ، هو العيش الامن بعيدا عن اجواء القصف والقتل والدمار والعدوان البربري ، حسب ما يشير الاخصائي النفسي المقدسي الدكتور موسى نجيب ، والذي يؤكد ان معطيات الاحداث البشعة في قطاع غزة لم يقرأ عنها علماء النفس من قبل . 
ويتوقع الدكتور نجيب في تشريحه للحالة بقطاع غزة ، ان مشاهد القتل الوحشية ستولد كمية هائلة من الغضب  لدى هؤلاء الاطفال ، فيها كثير من التشوهات النفسية ، يمكن القول انها ستكون مزمنة ، وستساورهم الهواجس  باستمرار باقتراب الموت منهم ، ولكن في الوقت نفسه تزرع فيهم كم هائل من القوة تدفعهم للمقاومة لاجل الحياة ، ونوع من الصلابة النفسية الذاتية للعمل على عدم الانكسار ثانية ، لانه لم يتبق امامهم سوى الحياة او الموت ، ومن كل بد سيصنعون تاريخا لا يتوقعه اي من بني البشر.
نقف امام جيل قادم مشوه نفسيا ، ما يدعو الى قراءة شاملة معمقة لكل مجريات الاحداث ، والبدء الفوري بعلاج نفسي شديد وطويل الامد وذلك بالتزامن ودورلا يقل اهمية  للمؤسسات الرسمية والمجتمعية في اعادة عملية البناء النفسي لهؤلاء الاطفال لانهم يمثلون الجيل القادم حتى يكون فاعلا في بناء الوطن وقادرا على حمل الراية ومواصلة المشواروصولا الى بر الامان ، وهذه المهمة لا تقتصر على الدولة كسياسة أو حكومة ، فالوطن أساساً يتكون من هذا المجتمع الذي قد يرتقي بالوطن أو يهبط بها ، ولا يجب أن نلقي اللوم على الدولة الا في حال تخليها عن مسؤولياتها تماما واهمالها للمجتمع في عدم اشراكه باعمال النهضة المستقبيلة.  
منذ بدء الاحتلال الاسرائيلي ، لم يكن الطفل الفلسطيني يوما ما بمعزل عن الإجراءات التعسفية التي تمارس بحقه بل كان في مقدمة ضحاياها ، في مخالفة صريحة وواضحة لكافة الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق والقوانين الدولية التي تنص على حقوق الأطفال ، وفي مقدمتها " اتفاقية حقوق الطفل "، التي تنادي بحق الطفل بالحياة والحرية والعيش بمستوى ملائم والرعاية الصحية والتعليم والترفيه واللعب والأمن النفسي والسلام ، ولكن في فلسطين يبدو انه من الصعب ان تكون طفلا !! لان هناك واقع مؤلم محزن يحيط به من كل صوب وحدب ، وابتسامة تسرقها منه الة التدمير الاحتلالية  يوميا وأحلام بريئة ترنو لمستقبل مشرق وآمن ، يتطلع لتحقيقها يوما .