لكل إنسان مدينة، ورفح مدينتي
لن أخترع تاريخاً لرفح، فرمالها تاريخها، لأنها مفصلُ بوابةٍ بين بلدين وقارتين، ولأنها في حضن انحناءة البحر الأخيرة قبل أن يسافر شرقاً، فقد أعطاها الغزاة عيونهم كي ترضى، ولم ترضَ.
فتحتُ عيون طفولتي على المدينة في بيتٍ يجاور "سكة الحديد"، كان بيتنا يقع جوار النجمة الحالية، بابه يفتح غرباً على بيوتٍ ما زلت أذكر أصحابها واحدا واحدا حتى آخر الشارع الطويل، أما شمال بيتنا، فبعد الحاكورة الصغيرة التي تفصله عن بيت "أبو خاطر"، كان حانوت إسماعيل سلمان المجاور لعيادة الدكتور محمود جمعة، وجنوباً يقع بيت أبو فايز القيسي وبعده مدرسة الوكالة الإعدادية، أما شرق بيتنا وما أدراك ما شرق بيتنا، حيث يكفيك أن تتجاوز سكة الحديد التي تبعد عن بيتنا 30 مترا فقط، لتدخل عالم البيارات، بيارة الرميلي، بيارة قشطة، بيارة أبو طه، بيارة سلمان... الخ.
تعلمت في روضة "العدلوني" التي كانت تعرف بالروضة الزرقاء، لتمييزها عن الروضة الحمراء جوار محطة القطار الذي ظل يعمل حتى حرب 1973، وتحتل معلمتي الروضة ذكرياتي مع ابن عمي بسام، أبلة امتياز وأبلة رسمية...
حين بدأت في تكوين الذكريات، جاء ممثل عن شارون وقال لأبي في الرابعة صباحاً: عليك أن تخلي البيت قبل انتصاف النهار... نريد أن نهدمه لننشئ شارعاً تستطيع فيه آلياتنا أن تتحرك بسهولة، وقد كان بيتنا أول الضحايا في شارع "خرط" المخيم، بعرض 55 متراً وطول 450 متراً، وانتقلنا في نفس المخيم إلى بيت كانت تملكه "عمتي عزيزة" المتزوجة في عمان، واشتراه أبي منها لاحقاً، لكني أصبحت "ابن حارة غريبة"، خصوصا أن صديق طفولتي الوحيد وقتها "بسام" قد رحل إلى خانيونس مع أهله.
تفاصيل مدينة رفح عموما، ومخيم الشابورة خصوصاً، تحضر بشكل دراماتيكي عند كل حدث، أماكن رفح ومفاصل جغرافيتها، من البحر غرباً بطول شارع البحر الذي أسمته البلدية "شارع أبو بكر الصديق"، الذي يصل من البحر إلى الحدود الشرقية في قرية الشوكة، مرورا بتل السلطان ومخيم الشعوت، وسوق المخيم ومنطقة المطافي ودوار العودة إلى الجوازات ومنطقة كازية الشويخ، ومن مصبح شمالا إلى خربة العدس ومنطقة "المضاة" إلى مخيم الشابورة ثم إلى دوار العودة وسوق "الشعرا" ثم الحدود مع مصر التي وضعت عام 1982، ومخيم البرازيل على يسار الشارع وبلوك أو على يمينه، وشارع فاطمة الخطيب في وسط المدينة حيث يمر إلى مدرستها وبيتها في مخيم يبنا.
لا أحد من خارج مخيم الشابورة يعرف الاستقطاب المذهل بين "حسن المدلل"، و"فضل"، بائعي الفول والفلافل المتقابلين في شارع "أم الحبيب" بائعة الترمس، فإن كنت من زبائن أحدهما فلن تستطيع الشراء من الآخر حتى لو متّ من الجوع...
كل هذا عدا عن غابات البرتقال في المدينة، والتي اختفت مع "الحضارة"، وحلت محلها أبنية بعد أن قطعت البيارات وأشجار الكينا وصار بإمكانك أن ترى مدرسة بئر السبع من مخيم الشابورة بعد أن كان ذلك متعذراً في السابق.
رفح ليست مجرد مدينة، فحتى "هبلانها" عبارة عن قصص يمكن أن توضع في روايات، من الشيخ محمد، إلى الشيخ بطاطا، إلى عبد الحكم وأبو طلال، إلى نعنوش... وبقية الأسماء، إلى شهدائها الذين يرقدون في مقبرتها الشرقية ومقبرة المخيم، ومقبرة الزعاربة، والمقابر الجديدة التي استحدثت لتستوعب كل هذا الجنون.
رفح مدينة الورد الذي كان يصدر إلى أوروبا ويحتل مكانا مميزا في بورصة الورد في أمستردام، رفح المدينة التي كنا نرى فيها موشيه ديان بمخلاة من القماش على كتفه وهو يبحث عن الآثار في منطقة الزعاربة غرب المدينة، رفح يشعر من يذهب إليها أنه جزء منها، ولو كانت زيارته إليها خاطفة.
في كل زاوية من زوايا المدينة هناك قصة، سواء تعلق ذلك بالحروب والانتفاضات، أو بالأغاني واللوحات، والرقصات الشعبية، أو بالعمل المجتمعي، مدينة حبلى بالقصص والنعناع، وما زالت تلد إلى اليوم، ولا يعني لها الزمن شيئاً في خضرة روحها.
إنها رفح، وأختتم بما قاله حسين البرغوثي:
سلامٌ لرمشيْن مبتلّيْن بالدمع والورد
في وجه طفل "رفحيّ" الرموش
سلامٌ لمن قدّموا جسمهم للنعوش
وقبلة عصفور لمن يتبقّى