جيلٌ ينهض ،،، ومؤتمر الشبيبة الفتحاوية يفتح شُرفة المستقبل
لم يكن مؤتمر الشبيبة الفتحاوية في رام الله حدثًا تنظيميًا عابرًا، بل محطة أعادت الاعتبار لفكرة أن الجيل الجديد قادر على حمل المشروع الوطني إذا ما مُنح المساحة لينطلق. خرجتُ من القاعة مع صديقي الإعلامي الدكتور بكر عبد الحق، وكان التفاؤل بادياً عليه بصورة لافتة؛ تفاؤل نابع من مشهدٍ ناضج تشكّل أمامنا: نقاشات صريحة، عروض قوية، وشباب يمتلك ثقة معرفية وسياسية قلّ أن رأيناها بهذه الكثافة في الأعوام الماضية. بدا واضحًا أن المؤتمر لم يكن مجرد اجتماع، بل رسالة صريحة تقول: هذا الجيل جاهز،،، وهذا المستقبل ينتظر من يقوده.
المؤتمر قدّم إحدى عشرة ورقة غطّت كل مساحات العمل الوطني والتنظيمي للشبيبة، بدءًا من الورقة التنظيمية (مسودة النظام الداخلي)، مرورًا بورقة الدورات وإعداد الكادر والتعبئة الفكرية، ثم الورقة الإعلامية ذات الطابع المهني، فالورقة السياسية التي شهدت نقاشات معمّقة، ثم ورقة العلاقات العربية والدولية التي قدّمت رؤية جديدة لدور الشبيبة خارجيًا.
كما عُرضت ورقة القضايا الفلسطينية (القدس، اللاجئون، الشهداء، الأسرى، الجرحى)، والورقة النقابية، وورقة المقاومة الشعبية، وورقة المرأة الفتحاوية، ثم ورقة الشبيبة الثانوية، وصولاً إلى ورقة العلاقات الوطنية. هذا الكمّ المتنوع من الأوراق لم يكن ديكورًا شكليًا، بل خارطة طريق لجيل يريد أن يكتب دوره بوعي لا بشعارات.
وبصفتي ابن هذه المدرسة الوطنية، وواحدًا ممن حملوا راية الشبيبة في الجامعة والشارع، فقد رأيتُ في هذا المؤتمر تجديدًا للروح القديمة التي صنعت قيادات فتح عبر العقود. كان واضحًا أن هناك طاقة حقيقية تبحث عن بوابةٍ للدخول إلى الصفوف الأمامية، وأن الشبيبة - لو أُحسن توجيهها - تستطيع أن تعيد بناء الحالة الوطنية من جذورها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض المنغصات والتدخلات غير النظامية تسلّلت إلى المشهد، ولو لم تحدث لكان المؤتمر أقرب إلى الحالة النموذجية الخالية من الأخطاء. ورغم ذلك، ورغم كل ما حاول البعض أن يفسده أو يشوّش عليه، فإنّ الفرحة بالمشهد العام كانت أقوى، والرضا بما تمّ إنجازه كان واضحًا. ما شهدناه كان أكبر من أي تفاصيل صغيرة، وأعمق من أي محاولات لجرّ المؤتمر خارج مساره الصحيح.
وقد جاءت كلمات الرئيس أبو مازن في الافتتاح لتمنح الشباب دفعة إضافية، حين قال بثقة إن الدولة الفلسطينية ستصبح حقيقة يراها هذا الجيل. لم يكن ذلك خطابًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية موجّهة لشبابٍ بحاجة إلى أن يسمعوا أن دورهم قادم، وأن فلسطين التي يحلمون بها ليست بعيدة كما يظن البعض.
المشهد في رام الله قال كل شيء:
هناك جيل ينهض،،،
هناك وعي يتشكّل،،،
وهناك فلسطين تنتظر من يرتّب ملامحها القادمة.
أما أنا وصديقي الدكتور بكر، فقد خرجنا مقتنعين بأن ما رأيناه ليس ترفًا سياسيًا، بل فرصة تاريخية يجب ألا تُهدر.
الشبيبة كانت وستبقى رئة الحركة وروحها المتجددة، وإذا مُنح هذا الجيل المساحة والفرصة، فسيكتب الغد على طريقته ،،، بجرأة الشباب، وحكمة التجربة، ووفاء فلسطين الذي لا يشيخ.