المعرفة بوصفها فعلًا للتحرر

2025-11-30 13:35:50

يمثل التعلم الذاتي في البيئات القسرية أحد أكثر مظاهر الوعي الإنساني تعبيرًا عن إرادة البقاء. فعندما تغيب المدرسة وينكسر الإطار المؤسسي، لا يتوقف الإنسان عن التعلم، بل يعيد تعريف العملية التعليمية من الداخل. هنا يتحول التعلم من نظامٍ إلى سلوك، ومن واجبٍ إلى حاجةٍ وجودية، ومن استجابةٍ لمعلمٍ خارجي إلى حوارٍ مع الذات.
في السياقات التي يعيش فيها الأفراد تحت القهر أو التهجير أو الحصار، يُعاد اكتشاف المعنى الأصلي للتربية بوصفها فعلًا للتحرر. فالفلسطيني الذي يتعلم داخل السجن أو في المخيم لا يسعى إلى تحصيل شهادةٍ أكاديمية بقدر ما يسعى إلى تثبيت إنسانيته في وجه الإلغاء. التعليم الذاتي في هذه البيئات ليس بديلًا عن المدرسة فقط، بل مشروع وعيٍ موازٍ يؤكد أنّ الحرية تبدأ من التفكير. فالمتعلم هنا ليس موضوعًا للسياسات، بل فاعلٌ يصنع معرفته رغم انعدام الظروف.
من منظورٍ تربوي نقدي، يجمع التعلم الذاتي في القهر بين ثلاثة أبعاد أساسية: البعد المعرفي الذي يقوم على تنظيم المعرفة ذاتيًا دون إشراف مباشر، البعد النفسي الذي يترجم الحاجة إلى السيطرة على الذات في عالمٍ مضطرب، والبعد القيمي الذي يجعل من المعرفة وسيلةً لحماية الهوية. لذلك، يصبح التعليم الذاتي ممارسةً أخلاقية بقدر ما هو عملية معرفية. إنه إعلان ضمني بأنّ القهر لا يوقف التفكير، وأنّ العقل قادرٌ على أن يبني بيئته التعليمية حتى في غياب الجدران.
لقد شكّلت التجربة الفلسطينية نموذجًا رائدًا في هذا المجال، حيث برزت مبادرات الأسرى داخل السجون بوصفها “جامعاتٍ بديلة” تمارس التعلم الذاتي والجماعي في آنٍ واحد. فقد نظّم الأسرى برامج دراسية داخل الزنازين، تبادلوا فيها الكتب والمقالات، وابتكروا أنظمة تقييمٍ ومناقشةٍ فكرية. كانت تلك الممارسة أكثر من مجرد نشاطٍ ثقافي؛ كانت فعلًا تحرريًا يعيد للإنسان وعيه وكرامته. بالمقابل، أظهرت تجارب اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات أنّ التعلم الذاتي هو آلية للحفاظ على الاستمرارية الاجتماعية، إذ باتت الخيمة مساحةً للقراءة والنقاش ونقل المعرفة بين الأجيال.
يرتبط التعلم الذاتي كذلك بفلسفة “الاستقلال المعرفي”، التي ترى أن بناء المعرفة يجب أن يسبق بناء النظام. فحين يُحرم الإنسان من المدرسة، لا يفقد قدرته على التعلم، بل يتحرر من القيود الشكلية ليتصل بجوهر الفكرة. ومن هنا، تنشأ مرونة تربوية جديدة تمكّن الأفراد من تحويل كل أداةٍ متاحة إلى وسيلةٍ للتعليم — من الهواتف البسيطة إلى الحوار الشفهي، ومن القصص الشفوية إلى الكتابة الرمزية. هذه المرونة لا تضمن الاستمرار فحسب، بل تؤسس لنمطٍ جديد من التعليم يدمج بين الخبرة اليومية والمعرفة النظرية.
إنّ التجارب الفلسطينية تؤكد أن التعلم الذاتي في القهر ليس حالةً اضطرارية عابرة، بل فلسفة حياة. فحين يتعلم الإنسان بجهده، يكتشف أن المعرفة ليست ملكًا لأحد، وأنه قادرٌ على امتلاك أدوات وعيه دون إذنٍ من أحد. وبهذا المعنى، يتحول التعليم إلى شكلٍ من أشكال السيادة على الذات. إنه مقاومة صامتة لكنها فعّالة، تعيد للإنسان حريته الأولى: حرية التفكير.
إنّ دعم التعلم الذاتي في البيئات القسرية لا يتطلب بنيةً تحتية بقدر ما يتطلب إيمانًا بأنّ كل إنسانٍ قادرٌ على أن يكون متعلمًا بجهده. وفي الحالة الفلسطينية، فإنّ هذا الإيمان لم يعد نظريةً تربوية بل واقع معيش، يذكّرنا بأنّ الشعوب التي تتعلم رغم المنع تكتب بوعيها بداية التحرر. فالمعرفة في القسر ليست ترفًا، بل إعلان وجود، والتعلم الذاتي ليس بديلاً عن النظام، بل نواة نظامٍ يولد من رحم الإرادة.