التعليمُ ليس بندًا ماليًا ،،، بل قرار نجاة
لا يحتاج العالم إلى تقرير جديد ليكتشف أن التعليم يعاني، لكنه يحتاج - وبإلحاح - إلى شجاعة سياسية للإعتراف بأن ما يجري اليوم هو فشل تمويلي وأخلاقي قبل أن يكون أزمة تعليمية.
نتائج التقرير الأخير حول تمويل التعليم لا تترك مساحة للمواربة: العالم يعرف ما يجب فعله، لكنه يختار ألا يفعل.
الفجوة السنوية في تمويل التعليم، التي تقترب من مئة مليار دولار في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ليست رقمًا تقنيًا في جداول الموازنات، بل ترجمة مباشرة لقرارات سياسية تُفضّل خدمة الدّين على خدمة الإنسان، والاستقرار المالي الشكلي على الاستثمار الحقيقي في المستقبل. حين تنفق دول فقيرة على خدمة ديونها أكثر مما تنفق على تعليم أطفالها، فنحن لا نواجه "قيودًا مالية"، بل اختلالًا فادحًا في ترتيب الأولويات.
الأخطر أن هذا التقاعس له كلفة باهظة لا تُقاس فقط بعدد المدارس المتداعية أو الصفوف المكتظة، بل بخسارة تريليونات الدولارات من الدخل المستقبلي، وبأجيال كاملة محكومة بفقر التعلّم وضعف المهارات. التقرير يقدّر أن العالم قد يخسر ما يقارب خمس الناتج العالمي بسبب اللامساواة التعليمية وتدهور جودة التعلم. هذه ليست خسارة محتملة، بل مسار قائم بالفعل، نراه في اتساع الفجوة بين من يملكون المعرفة ومن يُدفعون إلى هامش الاقتصاد والمجتمع.
في المقابل، يقدّم التقرير حقيقة يعرفها التربويون جيدًا، ويتجاهلها صناع القرار عمدًا: التعليم استثمار تحويلي لا كلفة. كل دولار يُستثمر في التعليم يعود بأضعافه نموًا اقتصاديًا، وكل سنة تعليم إضافية ترفع دخل الفرد، وتقلّص الفقر، وتُضعف احتمالات العنف وعدم الاستقرار. المجتمعات التي تستثمر في تعليم النساء والفتيات تحديدًا لا تحقق فقط عدالة اجتماعية، بل تحصد استقرارًا سياسيًا ونموًا اقتصاديًا أوسع.
لكن المشكلة لا تكمن في غياب الأدلة، بل في غياب الإرادة. العالم لا يعاني نقصًا في الموارد، بل سوء توزيعها. حين تُرصد تريليونات الدولارات للتسلح، أو تُهدر في إعفاءات ضريبية غير عادلة، ثم يُقال إن "التمويل غير كافٍ" للتعليم، فهذه ليست أزمة مالية، بل خيار سياسي واعٍ.
يدعو التقرير الحكومات إلى تخصيص نسب واضحة من الناتج المحلي والإنفاق العام للتعليم، وحماية موازناته في أوقات الأزمات، وتوجيه الاستثمار نحو الفئات المهمشة. هذه توصيات معقولة، بل متواضعة. لكنها تصطدم بحقيقة أن التعليم لا يملك لوبيًا قويًا، ولا يدر أرباحًا سريعة، ولا يُكسب الانتخابات على المدى القصير. ولهذا يُؤجَّل دائمًا، رغم أنه الشرط الأساسي لأي تنمية مستدامة.
أما على المستوى الدولي، فالصورة أكثر إرباكًا. الدول المانحة التي تتغنى بدعم التعليم لا تفي بالتزاماتها، والمساعدات التعليمية تتراجع نسبيًا، بينما تُفرض على الدول الفقيرة سياسات تقشف وقيود على أجور المعلمين باسم "الاستقرار المالي". النتيجة: أنظمة تعليمية تُطلب منها الجودة دون تمويل، والإصلاح دون معلمين مؤهلين، والإنصاف دون موارد.
من منظور تربوي، لا يمكن فصل أزمة التمويل عن أزمة القيادة والرؤية. التعليم لا يحتاج فقط إلى مزيد من المال، بل إلى قرار سيادي يعتبره أولوية وطنية غير قابلة للمساومة. قرار يرى في المدرسة والجامعة استثمارًا في الأمن، وفي المعلم ركيزة للتنمية، وفي المتعلم مواطنًا كامل الحقوق لا عبئًا على الخزينة.
في السياقات الهشة، كالسياق الفلسطيني وغيره من البيئات المتأثرة بالصراع، تصبح هذه الحقيقة أكثر إلحاحًا. التعليم هنا ليس مسارًا للترقي الاجتماعي فقط، بل أداة صمود، وحماية للهوية، وكسر لدورات الفقر والعنف. تقليص تمويله أو إخضاعه لمنطق الطوارئ الدائم يعني حكمًا مسبقًا على المستقبل.
الخلاصة التي يفرضها التقرير واضحة: كلفة الاستثمار في التعليم مرتفعة، لكن كلفة تجاهله كارثية. العالم يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتعامل مع التعليم كأولوية وجودية، أو أن يدفع ثمن اللامساواة، والبطالة، وعدم الاستقرار لعقود قادمة.
التعليم ليس بندًا يمكن تأجيله، ولا ملفًا تقنيًا يُدار بالأرقام فقط. إنه قرار أخلاقي، وسياسي، وحضاري. ومن لا يستثمر فيه اليوم، سيُنفق أضعاف ذلك غدًا ،، ولكن على الأزمات، لا على الحلول.