أمريكا وإسرائيل وإيران... وسؤال المليار!
في وقتٍ تقاربت فيه زمنياً عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، مع تصاعد واتساع الاحتجاجات الشعبية في إيران، مع أن لا صلةً مباشرة بين الحدثين المتزامنين، فالرئيس ترمب لم يستفق بعد من نشوته العارمة، بنجاح العملية المثيرة التي أدّت إلى استمتاعه برؤية مادورو مكبّل اليدين والرجلين، محاطاً بالجنود في الطريق إلى المحكمة الفيدرالية في نيويورك.
كانت المظاهرات الشعبية في إيران، قد اندلعت ببداياتٍ محدودة العدد، ثم ما لبثت وأن اتسعت لتصل إلى ما هي عليه الآن من اشتباكٍ عنيفٍ مع السلطة، وقد تفاوتت تقديرات أعداد ضحايا القمع الشرس، من قتلى وجرحى ومعتقلين، ولكن حسب تراث الاشتباكات المألوفة بين الشارع الإيراني والسلطات، فالضحايا لابد وأن تكون كثيرة، ذلك أن النظام المسلح حتى الأسنان، يخوض معركةً مصيريةً مع الشوارع التي تجاوزت بهتافاتها ويافطاتها حدود المطالبات بتحسين الخدمات لتنادي بإسقاطه.
الرئيس ترمب أخذه الانبهار بإنجازه المثير في فنزويلا، استسهل توجيه انذارٍ ناريٍ لسلطات طهران، بأنه سوف يتدخل إذا ما واصل النظام قتل المتظاهرين، أمّا نتنياهو الذي يحرّض ترمب على الإسراع في التدخل لإسقاط النظام، ويبدي جاهزيته للمساعدة في هذا العمل وأحياناً يصل في غلواءه إلى ادعاء القدرة على أن يقوم بالمهمة منفرداً، وما على أمريكا إلا أن توفر الغطاء السياسي والمعدات النوعية التي لا تمتلك إسرائيل مثلها.
بعد أيامٍ على اندلاع المظاهرات في إيران، وارتفاع عدد الضحايا، نشأ اختلافٌ في إدارة ترمب حول ... ما العمل؟ ويوجد ترقب في إسرائيل لرؤية القرار الأمريكي النهائي بهذا الشأن، مع ارتفاعٍ في معزوفة التحريض والتبشير بقرب سقوط النظام، وذلك مترافقاً مع التلويح ببديلٍ جاهزٍ للحلول محله، وهو ابن الشاه الذي يطرح نفسه كحلٍ للمعضلة، باستعادة النظام الإمبراطوري الذي فشلت أمريكا في الحفاظ عليه أمام اجتياح الشارع الإيراني للنظام بقيادة أشرطة الكاسيت التي كان يرسلها الخميني من باريس إلى الشعب.
لا يُنكر الوجود الفعّال لأجهزة الأمن الإسرائيلية داخل إيران، ولا يُنكر وجودٌ مماثلٌ ومتفوقٌ أكثر للأجهزة الأمريكية الاستخبارية كذلك، ولا تُنكر قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على ضرب أي هدفٍ داخل إيران، ولا تُنكر القدرة الأمريكية المجربة في قصف أهدافٍ منتقاةٍ مدنيةٍ وحربيةٍ في عموم إيران.
والسؤال ليس حول المواقف والإمكانيات، وإنما حول القدرة على الحسم، من خلال الطائرات والقذائف والاستخبارات.
أصل الحكاية مع إيران، هو ما تمتلك من إمكانياتٍ تغذي عناد قيادتها في التمسك بأحلامها الإمبراطورية، والتضحية بكل شيء جرياً وراء هذه الأحلام.
وأصل الحكاية كذلك أن إيران ليست بلداً صغيراً أو حتى متوسطاً حتى يذهب الأمريكي والإسرائيلي لمقاتلته على أرضه.
وإيران مهما بلغ عديد المتظاهرين فلدى النظام بقيادة ظل الله على الأرض المرشد، جمهورٌ عقائديٌ واسعٌ تعبئه صلوات الجمع وخطبها اللاهبة، ويستند كذلك إلى قواتٍ مسلحة إن لم تنضم للمحتجين فلا أمل للشارع الأعزل ولا للوعود الأمريكية والإسرائيلية بإسقاط النظام.
إيران المجتمع والدولة والنظام، لا تعاني من تدخلاتٍ خارجية تنتج اضطراباتٍ داخلية، بل تعاني من إهدار طاقاتٍ وإمكانيات، رُصدت لتحقيق المستحيل الامبراطوري الذي تتطلع إليه على حساب لقمة عيش الناس، والنقص الفادح في جميع مكونات الحياة العادية، وتعاني كذلك من نزيف الإنفاق على الأذرع التي كانت وهي في عافيتها عبئاً عليها، وبعد بتر العديد منها صارت عبئاً أثقل.
لن تستطيع أمريكا وإسرائيل تغيير النظام بأنزال ابن الشاه أو غيره مثلاً من الطائرة، ليحتفى به إمبراطوراً على إيران، كما لن تستطيع إرسال قواتٍ برية لحصد "غلال" الطائرات والقنابل الغبية والذكية، بل لابد وأن يأتي التغيير من داخلها يبدأ بإقرارٍ صريحٍ ومباشر، بأن الأحلام الإمبراطورية تنتج كوابيس لا فكاك منها، والإنفاق على الأذرع لا يؤدي إلا إلى نقصٍ في الماء والغذاء والكهرباء، ذلك أن تجارب إيران مع النظم والشوارع سجّلت حقيقةً لا يصح إنكارها والتغاضي عنها، وهي... حين يكون الداء من الداخل فمن الداخل فقط يتم الشفاء منه.