بين جلد الذات وتصحيح المسار: قراءة فتحاوية لتصويب المفاهيم
في الآونة الأخيرة، تكاثرت المقالات التي تتناول حركة فتح بوصفها حركة اختارت الهزيمة طوعًا، وتحولت من مشروع تحرر وطني إلى سلطة بلا سيادة. وذهب بعض الكتّاب، ومنهم د. أمجد شهاب، إلى توصيف هذا التحول باعتباره قطيعة واعية مع الفكرة الوطنية، وانزلاقًا مقصودًا نحو إدارة الهزيمة بدل مقاومة الاحتلال. هذا النقد، على أهميته في كسر الصمت وفتح النقاش داخل البيت الفتحاوي، يحتاج في الوقت ذاته إلى تصويب مفاهيمي، لا دفاعًا عن أخطاء، ولا تبريرًا لمسارٍ بات واضحًا أنه بحاجة إلى مراجعة عميقة.
فتح لم تكن يومًا حزبًا أيديولوجيًا مغلقًا، ولا حركة عقائدية صلبة، بل إطارًا وطنيًا واسعًا تشكّل في قلب صراع مفتوح، واستوعب تنوّع المجتمع الفلسطيني وتعقيد لحظته التاريخية. من هنا، فإن اختزال أزمتها الراهنة بوصفها “انحرافًا أيديولوجيًا” يفتقد الدقة، لأن فتح لم تُبنَ أصلًا على أيديولوجيا جاهزة، بل على فكرة وطنية جامعة. وقد لخّص المفكر الفتحاوي بكر أبو بكر هذا الجوهر بدقة حين قال: («لا يمكن أن تكون فتح إلا فكرًا وطنيًا ديمقراطيًا وحضاريًا عروبيًا وسطًا مستقلًا تشاركيًا وحدويًا»). هذه المقولة ليست توصيفًا أدبيًا، بل تعريفًا يُفترض أن يُقاس عليه الأداء السياسي والتنظيمي.
من هذا المنطلق، لم يكن الخطأ التاريخي في تجنّب معركة عسكرية خاسرة، ولا في البحث عن تسويات مرحلية فرضتها موازين قوى مختلّة، بل في العجز عن إدارة الزمن السياسي، وتحويل الأدوات المؤقتة إلى أطر دائمة دون مراجعة. الواقعية السياسية، حين تكون تكتيكًا يخدم هدف التحرر، ليست خيانة، لكنها تتحول إلى مأزق حين تنفصل عن الفكرة الوطنية، وتصبح ذريعة لتعليق الصراع بدل إدارته، ولتآكل البعد الديمقراطي والتشاركي في الحركة.
أما اتفاق أوسلو، فلم يكن قدرًا تاريخيًا محتومًا، بل محطة سياسية محدودة بسقفها وزمنها. الإخفاق الحقيقي لم يكن في الدخول إلى المسار، بل في عدم فتح مراجعة وطنية شجاعة بعد انسداد أفقه، وفي غياب آليات داخلية قادرة على تصحيح الاتجاه. هذا فشل سياسي وتنظيمي، لكنه لا يرقى إلى توصيف “الاختيار الواعي للهزيمة”، بل يعكس أزمة قيادة وإدارة وقرار، لا أزمة هوية وطنية.
السلطة الوطنية لم تُنشأ لتكون بديلًا عن المشروع الوطني، بل أداة من أدواته. غير أن الخلل نشأ حين اختلّ التوازن بين منطق الحركة ومنطق الإدارة، فطغت الوظيفة اليومية على الدور القيادي، وتقدّم الحفاظ على الاستقرار الإداري على متطلبات الاشتباك السياسي. هنا بدأت الفجوة بين فتح كحركة تحرر، وفتح كسلطة، وهي فجوة لا تُردم بالشعارات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدور الوطني والوظيفة المؤسسية.
الانتقادات التي تطال بعض السياسات المتعلقة بملفات الأسرى والشهداء محقّة في جوهرها، ولا يجوز التقليل من خطورتها. ما جرى في هذا السياق يمثّل انحرافًا إداريًا خطيرًا يجب تصحيحه فورًا، لكنه لا يشكّل قطيعة أخلاقية مع تاريخ الحركة ولا مع تضحياتها. فتح التي قدّمت آلاف الشهداء والأسرى لا تُمحى ذاكرتها بقرارات خاطئة، لكنها تُدان إن لم تُراجع هذه القرارات وتُعيد الاعتبار للبعد النضالي الجامع.
الأزمة الأعمق التي تواجهها فتح اليوم ليست في تاريخها، ولا في حدّة النقد الموجّه إليها، بل في ضعف الديمقراطية الداخلية، وتآكل الأطر التنظيمية، وغياب التداول الحقيقي للقرار، وتأجيل الاستحقاقات التنظيمية والسياسية. هنا يصبح النقد، بما فيه النقد القاسي، ناقوس خطر يجب الإصغاء إليه، لا ردّه بالشعارات أو التخوين. فإصلاح فتح لا يأتي من خارجها، بل يبدأ من داخلها عبر انتخابات، ومراجعة سياسية علنية، واستعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية كإطار وطني جامع.
هذا المقال لا ينفي الأزمة ولا يهوّن من حدّتها، بل يضعها في سياقها الصحيح. بين جلد الذات وتقديس التجربة مساحة ضرورية لتصويب المفاهيم. فتح لا تُنقذ بتاريخها وحده، ولا تُهزم بنقدٍ صريح، بل تُحسم وجهتها بمدى وفائها لتعريفها الجوهري: حركة وطنية ديمقراطية جامعة. عند هذا الميزان فقط، يمكن استعادة المعنى قبل فوات الأوان.