الأبقار كأداة ضم

2026-01-17 10:06:39

لم تكن زيارتي الأخيرة إلى الأغوار رحلة ميدانية عادية، ولا جولة تضامنية تقليدية، بل كانت مواجهة مباشرة مع أحد أكثر أشكال الاستيطان الإسرائيلي دهاءً ووحشية: الاستيطان الرعوي. هناك، في قرية فروش بيت دجن شرق نابلس، تتعرّى السياسة الاستيطانية من كل أقنعتها، وتظهر في أبسط صورها وأكثرها فتكًا: بقرة مدفوعة بالعنف، ومستوطِن محمي بالسلاح، وأرض فلسطينية تُنتزع على مرأى العالم.

وصلتُ إلى القرية برفقة صديقي عدلي حنايشة، في طريقنا لزيارة صديق حصل على منحة من مركز “معًا” التنموي، لمساعدته على إنشاء مشروع زراعي صغير.

مشروع بسيط في فكرته، كبير في دلالته: محاولة للحياة، للثبات، وللاستثمار في الأرض بدل الهروب منها. لكن الأغوار لا تسمح كثيرًا للقصص البسيطة أن تكتمل.

ما إن وصلنا حتى تبدّل المشهد. مجموعة من المستوطنين المسلحين اقتحمت المنطقة، وأطلقت قطعان الأبقار باتجاه المزرعة. لم يكن الأمر عشوائيًا أو طارئًا؛ كان فعلًا مقصودًا، مدروسًا، يجري تنفيذه بثقة من يعرف أن القانون في صفه، أو على الأقل لا يقف ضده. الأبقار تدهس المحاصيل، تقتلع تعب الأشهر، وخلفها مستوطنون يصرخون، يمنعون الاقتراب، ويحوّلون الأرض إلى ساحة سيطرة بالقوة.

في تلك اللحظة، لم نلتقِ صديقنا وجهًا لوجه، لا لأنه انسحب أو تراجع، بل لأنه كان في قلب المواجهة. بقي في أرضه، يراقب ما يجري ويحاول منع المستوطنين من اقتحام مزرعته، واقفًا بصدور عارية أمام قطعان الأبقار والمستوطنين المسلحين. مشروعه الزراعي، الذي كان يُفترض أن يكون قصة أمل صغيرة في الأغوار، تحوّل أمام أعيننا إلى ساحة اعتداء مفتوح، وإلى مثال حيّ على كيف تُجهَض التنمية تحت سنابك الأبقار وفوهات البنادق، حين يُترك أصحاب الأرض وحدهم في مواجهة منظومة عنف كاملة.

فروش بيت دجن ليست استثناءً، بل نموذجًا. قرية فلسطينية تقع شرق نابلس، محاصرة ببؤر رعوية تتمدّد بصمت، وتفرض وقائع جديدة دون الحاجة إلى قرار عسكري أو إعلان رسمي. هنا، لا تُصادر الأرض بالجرافة، بل تُنهَك بالرعي، ويُمنَع الفلسطيني من الوصول إليها بحجة “الأمن” أو “المراعي”، بينما يتحوّل الرعي نفسه إلى أداة تهجير قسري.

سياسيًا، لا يمكن النظر إلى ما يجري في الأغوار وقرية فروش بيت دجن بوصفه اعتداءات معزولة أو سلوكًا متطرفًا لمجموعات خارجة عن القانون. ما يحدث هو سياسة دولة مكتملة الأركان، تُنفَّذ بأدوات “مدنية” ظاهرها الرعي وباطنها الضم الزاحف. فالبؤر الاستيطانية الرعوية باتت الذراع الأكثر فاعلية للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنها تُنجز ما تعجز عنه القرارات الرسمية: السيطرة على الأرض بأقل كلفة سياسية وقانونية، وخلق وقائع يصعب التراجع عنها لاحقًا، حتى في حال تغيّر الحكومات أو السياقات الدولية.

الأخطر أن هذه السياسة تُفرغ أي حديث عن التنمية أو “بناء الصمود” من مضمونه الحقيقي. فما قيمة منحة زراعية، أو مشروع إنتاجي، أو تدخل تنموي محدود، في ظل غياب حماية سياسية وقانونية للفلاح؟ كيف يمكن مطالبة الفلسطيني بالبقاء في أرضه بينما يُترك وحيدًا في مواجهة مستوطن مسلح تحميه الدولة؟ هنا تتحول التنمية إلى عبء نفسي وأخلاقي على الضحية، ويصبح الصمود بطولة فردية بدل أن يكون خيارًا جماعيًا مدعومًا بإستراتيجية وطنية واضحة، تعيد تعريف الأولويات، وتضع الأغوار في صدارة المواجهة السياسية لا في هامش الاهتمام.

ما شاهدته في الأغوار هو تجسيد حيّ لسياسة إسرائيلية واضحة: استخدام الاستيطان الرعوي كوسيلة رخيصة وفعّالة لابتلاع الأرض، وتفريغها من أصحابها، وربط المستوطنات ببعضها عبر مساحات شاسعة تُنتزع تدريجيًا من الفلسطينيين. المستوطن لا يحتاج إلى بناء بيت اليوم؛ يكفي أن يطلق قطيعه، وما ترعاه الأبقار يصبح غدًا “أرض دولة”، وبعد غد بؤرة ثابتة.

الأخطر في هذا المشهد ليس فقط حجم العنف، بل طبيعته اليومية. عنف بلا ضجيج إعلامي، بلا بيانات رسمية، لكنه مستمر، تراكمي، ومدمّر. مزارع يُمنع من أرضه، مشروع تنموي يُشلّ قبل أن يولد، قرية تُخنق ببطء، وعالم يكتفي بالمراقبة.

في الأغوار، فهمت أن المعركة ليست فقط على الدونمات، بل على الحق في البقاء. حين يُحاصَر الفلاح في أرضه، لا يُسلب رزقه فقط، بل يُسلب مستقبله، وقدرته على التخطيط، وإيمانه بأن الصمود ممكن. وما رأيته في فروش بيت دجن يؤكد حقيقة واحدة: الأغوار تُستهدف اليوم كخط دفاع أخير عن الجغرافيا الفلسطينية، ومن لا يرى الأبقار وهي تهاجم الأرض الآن، قد يستيقظ قريبًا ليجد أن الخريطة تغيّرت… بصمت.