غزة بين الوصاية والأمل: كيف نحاكم ترتيبات الحكم الجديدة في غزة؟

2026-01-18 15:48:42

في أعقاب الإعلان عن تشكيل مجلس السلام ولجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة، وتعيين ما أطلق عليه ممثلا ساميا لغزة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام ترتيبات حكم جديدة تثير مشاعر متناقضة. فمن جهة، يسود شعور واسع بالإهانة والقلق من وضع غزة عمليًا تحت شكل من أشكال الوصاية الدولية، بما يحمله ذلك من انتقاص للسيادة وتهميش للإرادة الفلسطينية، ومن جهة أخرى، يبرز أمل حذر بأن تُسهم هذه الترتيبات في وقف المعاناة الكارثية، ومنع التهجير، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار، وخلق حد أدنى من الاستقرار يسمح بعودة الحياة إلى مستوى معقول من الطبيعية بعد حرب إبادة مدمّرة.

لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه اليوم هو: كيف يجب أن نتعامل كفلسطينيين، وكمؤسسات وطنية وحقوقية ورقابية، مع هذه الترتيبات الجديدة؟ وهل ينبغي النظر إليها كحلول تقنية مؤقتة، أم إخضاعها لتقييم سياسي وقانوني وحقوقي صارم؟ فأي تعامل جاد ومسؤول يقتضي عدم الانجرار وراء منطق “إدارة الأزمة” فقط، بل تطوير معايير واضحة نحاكم على أساسها هذه الأجسام الجديدة، ونحدد من خلالها إن كانت تخدم المصالح الوطنية الفلسطينية أم تنتقص منها.

المعيار الأول والأهم في هذا التقييم هو مدى إسهام هذه الترتيبات في تحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. فالسؤال هنا لا يتعلق بكفاءة إدارية أو سرعة تقديم الخدمات فحسب، بل بما إذا كانت هذه الأجسام تعزز الكيانية الفلسطينية ووحدة الأرض والمؤسسات، أم تكرّس نمطًا جديدًا من الإدارة الخارجية يؤجل إنهاء الاحتلال ويعمّق فصل غزة عن الضفة الغربية. فأي ترتيب لا يضع إنهاء الاحتلال في صلب أهدافه، ولا يفتح أفقًا واضحًا لحكم فلسطيني كامل السيادة، يبقى ترتيبًا ناقصًا وخطِرًا مهما حمل من وعود بالاستقرار أو الإعمار.

أما المعيار الثاني فيتعلق بـ مدى احترام هذه الترتيبات لحقوق الإنسان والاحتياجات والأولويات الوطنية للفلسطينيين.  فالإدارة “الناجحة” ليست تلك التي تضبط الأمن أو توزع المساعدات فقط، بل التي تصون الحق في الحياة والكرامة، وتحمي المدنيين من الانتهاكات، وتضمن عدم تسييس المساعدات أو تحويلها إلى أداة ابتزاز أو هندسة اجتماعية. كما يشمل هذا المعيار احترام سيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، وضمان مشاركة الفلسطينيين أنفسهم في صنع القرارات التي تمس حياتهم اليومية ومستقبلهم.

وفي هذا السياق، تبرز توقعات خاصة ومضاعفة من لجنة التكنوقراط الفلسطينية، التي وُضعت منذ لحظة تشكيلها في ظروف بالغة التعقيد والضغط. يُنتظر من أعضائها أن يضعوا مصالح الفلسطينيين أولًا، وأن يقاتلوا سياسيًا وأخلاقيًا من أجل استقلال قرارهم، وألا يتحولوا إلى مجرد موظفين لدى “المندوب السامي” الجديد أو كبار مستشاريه الدوليين. كما يُنتظر منهم ألا يكونوا واجهة وطنية لتمرير مخططات تُعزز الانفصال وتشتت التمثيل الفلسطيني. كما لا يجب ان يضعوا أنفسهم في مواجه أبناء شعبهم خاصة في إدارة ملف نزع السلاح. فنجاح هذه اللجنة لا يُقاس فقط بقدرتها على تشغيل المؤسسات، بل بقدرتها على حماية استقلاليتها، ورفض أن يتم توظيفها سياسيا من اجل شرعنة الوصاية الدولية او تحقيق مصالح الأطراف الدولية والإقليمية على حساب المصالح الفلسطينية.

إلى جانب ذلك، تقع علينا مسؤولية تتجاوز الاكتفاء بدور المراقب أو المقيم لهذه الترتيبات الجديدة. فالمطلوب اليوم مسؤولية إيجابية تقوم على اتخاذ خطوات فعلية على الأرض لمواجهة أي مخططات تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تفريغها من مضمونها الوطني من خلال هذه الصيغ الانتقالية. وفي هذا السياق، تبرز قضية الانتخابات الفلسطينية بوصفها أحد أهم مسارات المواجهة السياسية السلمية الممكنة. فالانتخابات التي تشمل جميع محافظات الوطن، لم تعد استحقاقًا مؤجلًا أو خيارًا ثانويًا، بل أصبحت حاجة وطنية ملحّة لإعادة بناء الشرعية على أساس ديمقراطي، وإنتاج قيادة منتخبة تكون عنوانًا واضحًا للتمثيل والمساءلة، وقادرة على الدفاع عن الحقوق الوطنية في مواجهة أي ترتيبات مفروضة. من دون أفق انتخابي جدي، تبقى هذه الترتيبات عرضة للتحول إلى واقع دائم، ويستمر الفراغ السياسي بوصفه مدخلًا لتكريس الوصاية وإضعاف التمثيل الفلسطيني.

في المحصلة، لا يكفي أن تخفف الترتيبات الجديدة من المعاناة اليومية أو أن تعيد تشغيل بعض مظاهر الحياة، إذا كان ثمن ذلك هو تقويض الحقوق الوطنية أو تأجيل الحرية إلى أجل غير مسمى. الحكم الحقيقي على مجلس السلام ولجنة التكنوقراط يجب أن يبقى مرتبطًا بسؤال جوهري: هل تفتح هذه الترتيبات طريقًا نحو تقرير المصير، ووحدة التمثيل، وإنهاء الاحتلال، أم أنها تكتفي بإدارة الواقع القائم بصيغة أقل قسوة وأكثر استدامة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا في الوعي الفلسطيني وفي عمل المؤسسات الحقوقية والرقابية في المرحلة المقبلة.