أنسنة «حكومة التكنوقراط» وتسييس «مجلس السلام»

2026-01-18 17:01:42

لقد وصلنا أخيراً إلى الجانب التنفيذي للمرحلة الثانية من خطة ترامب بخصوص قطاع غزة؛ المرحلة التي ينتهي قبلها تسليم المختطفين كشرط إسرائيلي أميركي للدخول فيها وفي ترتيباتها، والتي يبدأ خلالها تشكيل الهيئة المنوط بها إدارة القطاع، والانتقال تدريجياً، تحت مظلة هذه الهيئة، إلى تنفيذ بقية بنود الخطة.

الجانب التنفيذي هذا يبدأ من البند التاسع في خطة ترامب، والذي يشير إلى مواصفات الجهة التي ستقوم بإدارة غزة، حيث يصفها بـ «حكومة انتقالية مؤقتة من لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية».

وكما هو واضح فإن هذا التوصيف «مرتبك» في توفيق مصطلحات غايتها إرضاء جميع الأطراف الفاعلة.
فهي حكومة لكنها لا تحكم، بل تقوم بإدارة الشؤون اليومية للمواطنين كما توضح في الفقرة التالية التي تنص على أنها «مسؤولة عن تقديم الخدمات العامة واليومية لسكان غزة».

وهي فلسطينية لكنها غير سياسية، بمعنى أنها لا تأتي بديلاً لأي من الجهات السياسية، سواء السلطة الفلسطينية أو حماس، ولا تقوم أيضاً بدور سيادي أو تمثيلي للفلسطينيين في مواجهة إسرائيل، ولا تنخرط في المنظومة السياسية الإقليمية والعالمية التي تبحث عن حل للقضية الفلسطينية.

وكل هذا غير مرتبط أساساً بعوامل الزمن الذي قد يضفي عليها شرعية ما، أو يكسبها مهمات سياسية ما، فهي أولاً وأخيراً مؤقتة كما ينص التعريف.
تبعاً لذلك فإن هذه اللجنة سوف يُنظر إليها كجهة قابلة للاستخدام من أطراف متناقضة، كلٌ يحمّلها الوظيفة أو المعنى الذي يخدم مصالحه، دون أن تمتلك هي قدرة مستقلة على فرض رأي أو تغيير مسار. لكن كل هذه الأطراف المتناقضة متفقة ضمنياً، أنه تمت إعادة تعريف غزة كقضية إنسانية لا كقضية سياسية، وإلا لما وصلنا إلى هذا الشكل من الحل.

قبل الانتقال إلى من يحكم وكيف سيحكم، لا بد من التأكيد على أن هذا ليس رأياً سياسياً في اللجنة ولا في أعضائها المحترمين، الذين لا يمكن التشكيك في نواياهم ولا يجب العمل على تعطيل مهمتهم الإنسانية. فهم ولجنتهم تتويج لواقع مأساوي، سياسي وإنساني، فرضته مغامرة السابع من أكتوبر والحرب الإبادية التي تبعتها على مدار عامين، دون أن يتم الاستماع إلى التحذيرات المتكررة والمطالبات اليومية بوضع حد، بأي ثمن كان، لهذه الحرب الشعواء، قبل أن يتم الوصول إلى هذه النقطة التي نعيشها الآن.

إذاً هذا الواقع المأساوي الذي نحن فيه، لم يترك مجالاً إلا لضرورة التعامل معه كأولوية قصوى وملحّة من جانبها الإنساني تحديداً، وذلك عبر لجنة مقبولة فلسطينياً ومشكّلة من أصحاب الشأن أنفسهم، حتى لو كانت هذه اللجنة بقرار دولي أو أميركي وبموافقة أمنية إسرائيلية، فالعيب ليس عيبها بقدر ما هو عيب الطريق الذي أوصل إليها كطوق نجاة إنساني، والذي ضيّق الخيارات أمام الشعب الفلسطيني ووضعه في الزاوية.

ناهيك عن أن أي اعتراض عليها، أو تحميلها أي مسؤوليات حالية ولاحقة يجب أن يُرفق معه البديل القابل للتنفيذ ولا يكتفي بلغة الشعارات التي لا تطعم خبزاً ولا تُصلح خيمة.

إذاً، وكما تقول خطة ترامب، هي جهة لا تحكم وأن الذي يحكم هو ترامب نفسه عبر مجلس السلام المذكور في الخطة كمرجعية «سياسية بالتأكيد» وهيئة إشراف على لجنة التكنوقراط.

هذا المجلس الذي تم الإعلان عنه من قِبل البيت الأبيض أول من أمس، وأصبح أعضاؤه معروفين، ويمكننا من خلال التمعن بوظائفهم الحالية والسابقة أن نستشف النوايا تجاه القطاع وتجاه القضية الفلسطينية برمتها، وأن نعرف إلى أين نحن ذاهبون، رغم أن هذه المعرفة ليست بحاجة لهذا التمعن من الأساس.

فمن وجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا يُنظر إلى هذا المجلس إلا كجزء أصيل من رؤيتها لصيغة اليوم التالي في غزة بعد الحرب، ولن يتم التعامل معه في أي وقت من الأوقات، على اعتبار أنه أداة حل، بل كآلية إدارة انتقالية طويلة تُبقي القطاع خارج معادلة الحسم.

فبحسب هذه الرؤية لا يُفترض بالمجلس أن يحكم أو أن يؤسس لسيادة فلسطينية، حتى ولو تم ذكر ذلك في خطة ترامب، مرفقاً باشتراطات الإصلاح للسلطة الوطنية الفلسطينية.

كما أن المطلوب منه ليس غزة بلا حماس، بل غزة بلا حكم حماس لا أكثر، والفرق كبير سياسياً وأمنياً، والأهم ذرائعياً.

فأين المشكلة في أن تبقى الحركة موجودة كقوة واقعية منزوعة الشرعية السياسية، بينما تُدار غزة عبر لجنة مدنية ضعيفة تعمل تحت سقف المجلس وبشروط أمنية إسرائيلية غير معلنة.

الشرعية السياسية سوف يكتسبها هذا المجلس شيئاً فشيئاً، كطرف حاكم لمنطقة عانت من نزاع عسكري طويل، وطرف استطاع أن يقوم بتحييد حماس وتحييد آلة القتل الإسرائيلية عن السكان، وإيجاد أفق معيشي واقتصادي لهم.

بالتوازي فإن إسرائيل ستستفيد من هذه الشرعية بأن تعمل على استعادة صورتها الدولية كما كانت قبل الحرب الإبادية، وسوف يكون لرأيها وزن حين يتعلق الأمر بالإصلاحات المطلوبة من السلطة الفلسطينية، وسوف تعمل جاهدة لتقوية هذا المجلس وشرعيته، إن كان المقابل المرجو هو نزع الشرعية السياسية عن السلطة أيضاً.
أقصد أن اليوم التالي من منظور إسرائيلي هو التنازل عن شكل من الحرب لم يعد له جدوى سياسية، مقابل نزع الشرعية عن مطالب الفلسطينيين السياسية، وحصرها في المطالب الإنسانية اليومية، والتي سيديرها الفلسطينيون أنفسهم بإشراف دولي وإقليمي مُنقذ لحياتهم بثمن مطالبهم وطموحاتهم السياسية.
هل هذا قدر علينا الاستسلام له؟ 

بالتأكيد لا. لكنه سيتحقق إن ظل من أعطى الذرائع للحرب على الفلسطينيين يعطي الذرائع لعدم كفاءتهم أو جدارتهم بدولة، وإن ظلت السلطة مقتنعة بعجزها أمام الواقع الدولي الجديد، وإن ظل المجتمع متكلاً على هذا الطرف أو ذاك، ولا يمارس إلا دور المشتكي من هذا أمام هذا.