المونولوج الداخلي: بين فقدان السمع والزهايمر
رواية فوضى السكون للكاتبة فايزة حرحش تأخذ القارئ في رحلة حميمية داخل الذات، حيث يلتقي الواقع الشخصي بالصمت الذي يحيط بالبطلة تدريجيًا. بأسلوب يجمع بين البساطة والعمق، والصدق والشجاعة، تكشف الكاتبة عن صراعاتها مع فقدان السمع وتجربة جدتها المريضة بالزهايمر والسرطان، لتحوّل كل فقد إلى نافذة لفهم الحياة والإنسانية.
الرواية ليست مجرد سرد للأحداث، بل حوار مستمر مع النفس. البطلة تواجه لحظات الضعف، العجز، والخوف، لكنها في الوقت ذاته تمنح القارئ فرصة للتأمل في القوة الخفية للروح البشرية. تقول الكاتبة: "عليك أن تعتاد صمت المكان.. وأن تشعر بالأمان وسط اللا أمان.."، مقولة تلخص فلسفة الرواية في مواجهة الصمت والصعاب الداخلية بشجاعة ووعي.
ما يميز فوضى السكون هو الحديث مع الذات بلا تزييف. اللغة بسيطة، لكنها تحمل عمقًا شعوريًا يلامس القارئ مباشرة. الصمت لا يُعرض كعائق، بل كفضاء للتأمل، ولإعادة ترتيب الأفكار والمشاعر. البطلة تتحسس العالم من حولها عبر العيون والابتسامة، وتحوّل محدودية السمع إلى مهارة لفهم الآخرين والتواصل العميق معهم، لتكشف قدرة الإنسان على التكيّف والإبداع في مواجهة الصعاب.
الرواية تبرز أيضًا قيمة العلاقات الإنسانية، خصوصًا بين الأحفاد والأجداد. العلاقة بين البطلة وجدتها ليست مجرد قصة عاطفية، بل رحلة مشتركة في الذاكرة والصمت، حيث يحفّز فقدان الذاكرة العاطفية البطلة على تدوين اللحظات، واستكشاف معنى الحياة من خلال التوثيق والتأمل. الصمت هنا يتحول إلى مرآة تعكس أعماق النفس وتسمح للقراء بالوقوف أمام صمتهم الخاص.
أسلوب الرواية قائم على المونولوج الداخلي والحوار المحدود، ما يجعل القارئ يعيش التجربة عن كثب، مع كل شعور، كل خوف، وكل لحظة فرح أو ألم. كل فصل يحمل معه درسًا في الصبر، الرضا، والأمل، مما يجعل التجربة قراءة تأملية، وجدانية، وملهمة.
إنها رواية شجاعة في طرح الذات والتجربة الشخصية. فقدان السمع، الصمت، والمرض لا تُقدَّم كأزمات فقط، بل كمساحات للتأمل والنمو الداخلي. الرواية تذكّرنا بأن الحديث مع الذات، مهما كان صامتًا، هو المفتاح لفهم الحياة، والتصالح مع الذات، والعيش بصدق وعمق.
فوضى السكون ليست مجرد حكاية، بل تجربة إنسانية مؤثرة، شاعرية، ونخبوية، تأخذ القارئ في رحلة لاكتشاف معنى الصمت، قيمة الوعي الذاتي، وأهمية العلاقات الإنسانية في رسم خريطة الحياة الداخلية لكل إنسان. إنها دعوة للتوقف، للاستماع، وللحوار الصادق مع الذات، حيث تكمن الحقيقة، الأمل، والرضا.
في نهاية فوضى السكون، يدرك القارئ أن الصمت ليس عائقًا، بل مرآة تكشف أعماق الذات. هو مساحة نواجه فيها خوفنا، ونحتضن ضعفنا، ونكتشف قوة الروح في لحظات الانكسار والوحدة. الرواية تبرهن أن القدرة على الاستماع للصمت، وفهمه، هي سر العيش بصدق ووعي، وأن في خضم الفقد والعزلة يمكن أن يولد الأمل، وتشرق معاني جديدة للرضا والاتصال بالذات والآخرين. في هذا السكون العميق، نجد شجاعة الحياة، وندرك أن كل صمت يحمل في طياته حكاية، وكل لحظة هدوء هي فرصة لإعادة اكتشاف معنى الوجود.