عندما يُقتل الإنسان وتُمحى الاوطان تُصبح إنسانيّتنا موضعَ شكّ
عندما يُقاس عددُ الضحايا بميزانٍ مختلّ، فإنَّ القيمَ تصبح على المحكّ، رغم أنَّ المعضلةَ الكبرى ليست عدَّ الضحايا، بل ما تفعله الحروبُ بقدرتنا على الإحساس. إنَّ إغراقَ الناس وبشكلٍ ممنهج بالمشاهدِ المروِّعة وتدفّقِ الأخبارِ الموجَّهة، تؤدِّيان إلى تسلُّلِ شكلٍ جديدٍ من الخسارة إلى الوعي الإنساني، وهو خسارةُ الإنسان لإنسانيّته، ليس بانعدام التعاطف، بل بتحويلِ المشاهدِ المروِّعة إلى شيءٍ عادي، ممّا يجعل الألمَ مألوفًا.
السنواتُ الأخيرةُ أظهرت بوضوحٍ مؤلم كيف يمكن للعالم أن يُظهر تعاطفًا عميقًا مع مأساةٍ ما، بينما يتعامل مع مأساةٍ أخرى كأنّها مجرّدُ رقمٍ يُتلى. فعلى سبيل المثال، خسائرُ الأوكرانيّين على يدِ الروس حظيت بوجوهٍ وأسماءٍ وسِيَرٍ ذاتيّةٍ وسردٍ إنسانيّ جعل الألمَ مفهومًا وقريبًا، بينما تحوّلت خسائرُ غزّة تدريجيًّا إلى أرقامٍ تُتلى، ثم تُنسى، ثم يُعاد تكرارُها بلا دهشةٍ أو حضورٍ إنساني. تعاملَ العالمُ مع الأوكرانيّين الذين يدافعون عن بلدِهم كأبطالٍ يجب أن يُمجَّدوا، بينما تعاملَ مع الفلسطينيّ الذي يدافع عن أبسطِ حقوقه كإرهابيّ، ممّا يضع إنسانيّتنا على المحك.
هذه الظاهرةُ ليست جديدة، فالتاريخُ البشريّ مليءٌ بالحروبِ التي أزهقت أرواحًا لا تُحصى. حروبُ تيمورَ لنك دمَّرت مدنًا بأكملها، وحروبُ الممالكِ الثلاث في الصين أزهقت شعوبًا، وحروبُ المغول دكَّت شعوبًا كاملة، وصولًا إلى الحروبِ الأهليّة في مختلف القارّات والحروبِ العالميّة الكبرى الأولى والثانية. كلُّ هذه الأحداث خلّفت أعدادًا هائلةً من الضحايا، وغالبًا ما تُذكر كإحصاءاتٍ جامدة، بينما قصصُ البشر ووجوهُهم تتلاشى مع مرورِ الزمن. كلُّ حياةٍ كانت ثمينة، لكنّها اختُزلت في التاريخ إلى مجرّدِ أرقام. هذه الأرقام لم تنقل المعاناةَ الحقيقيّة ولا الألمَ الذي عاشه البشر، بل بقيت سردًا باردًا يفتقد البعدَ الإنساني، ممّا ساعد على تبلّدِ حسِّنا وتلاشي الشعورِ بالآخر أحيانًا كثيرة.
في الحربِ العالميّةِ الثانية، أصبحت صورةُ فتاةِ النابالم رمزًا دائمًا للبراءةِ المهدورة ولخطرِ فقدانِ الإنسانيّة في مواجهةِ القوّةِ المعتدية. فهي لم تكن مجرّدَ طفلة، بل نداءً حيًّا للضميرِ الإنساني، يُذكّرنا أنَّ الحربَ ليست أرقامًا فقط، بل وجوهٌ وأرواح. وفي سياقِنا المعاصر نجد قصصًا مثلَ قصةِ هندِ رجب من غزّة، التي أصبحت أحدَ الأسماء بين آلافِ الأرقام، لتكشفَ لنا كيف يمكن أن تتحوّل المعاناةُ اليوميّة إلى مجرّدِ خبرٍ في الصحف، في حين أنَّ لكلِّ وجهٍ قصة، ولكلِّ حياةٍ حضورًا يجب أن يُستعاد. الفرقُ بين أوكرانيا وغزّة ليس في حجمِ الألم، بل ازدواجيّةُ المعايير في مدى التعاطفِ الجادّ بنفسِ المعيارِ الأخلاقي.
التبلّدُ آليّةٌ نفسيّةٌ دفاعيّة تظهر عندما يكون الألمُ كبيرًا لدرجةٍ أنَّ العقلَ لا يستطيع استيعابَه دفعةً واحدة. في الحروبِ الحديثة، ومع تطوّرِ وسائلِ الإعلام، يتعرّض الناس يوميًّا لمشاهدِ الرعب، ولصورِ الأطفال والنساء والضحايا، وبمرورِ الوقت يصبح الألمُ متكرّرًا وعابرًا ومألوفًا، ويبدأ القلبُ بالتوقّف عن التفاعلِ الكامل، ليس لأنّه قاسٍ، بل لأنّه يحمي نفسَه من الانهيار. هذه الآليّة، رغم حاجتها للبقاءِ النفسي، تصبح خطرًا على الإنسانيّة إذا استمرّ التبلّد طويلًا وتحول الناسُ إلى مجرّدِ مشاهدين معتادين على الخراب، لا يختلفون عن الآلةِ التي تعرض الأخبار، ولا يحرّكهم إلّا ما يمسّهم مباشرة.
وسائلُ الإعلام تلعب دورًا محوريًّا في هذا التحوّل، ففي أوكرانيا ركّزت على أنَّ أوكرانيا تدافع عن نفسِها، وأوردت قصصًا شخصيّةً ووجوهَ الضحايا والأسر، وهو ما ساعد العالمَ على الشعورِ بالألم واستعادةِ البعدِ الإنساني. بينما في غزّة ركّزت الكثيرُ من التقارير على الأرقام فقط: مئاتِ القتلى وآلافِ المشرّدين ضمن عمليّةِ دفاعٍ عن النفس تقوم بها إسرائيل. هذا الاختلافُ ليس بريئًا، فاللغةُ التي نستخدمها تشكّل إطارًا لتقبّلِ أو رفضِ التعاطف، وحين تتحوّل حياةُ الإنسان إلى رقمٍ يبدأ القلبُ بالتوقّف تدريجيًّا عن الاهتمام، والضميرُ يصبح مراقبًا صامتًا، وهذا هو التبلّدُ الاجتماعي.
الحروبُ الحديثة وسرعةُ انتشارِ المعلومات تجعل من الصعب على البشر التعاملَ مع حجمِ الألم. كلُّ خبرٍ جديد، كلُّ صورةٍ جديدة تضغط على وعيِ الناس وتستهلك طاقتَهم النفسيّة. ومع ذلك، يبقى أمامَنا خيارُ الحفاظ على الحسِّ الإنساني حيًّا، عبر الاعترافِ بالأسماء والوجوه، وإعادةِ الحياة إلى من اختُزلت حياتُهم في أرقام، سواء في غزّة أو أوكرانيا أو أيِّ حربٍ أخرى، ورفضِ لغةِ التبرير، وعدمِ قبولِ العبارات التي تطمس الإنسانيّة خلف الأرقام والسياسات، ورعايةِ النفس والعقل، لأنّ من يتحمّل كلَّ هذا الألم يجب أن يجد مساحاتٍ للراحة والهدوء، وإلّا أصبح جزءًا من التبلّد نفسِه.
مشاركةُ القصصِ الشخصيّة لا يتعدّى كونَها وسيلةً لخدمةِ الروايةِ الإنسانيّة، حيث إنَّ الكتابةَ أو الفنَّ أو الحديث تجعل من الألم حضورًا حيًّا، وتمنع الانزلاقَ إلى التبلّد. فكلُّ قصةٍ ترويها، وكلُّ وجهٍ تستعيده من بين الأرقام، هو دفاعٌ عن الإنسانيّة وفعلُ مقاومةٍ ضد التحوّل إلى مجرّدِ مشاهدين صامتين. إنَّ ربطَ الماضي بالحاضر عبر ذكرِ الحروبِ القديمة، من تيمورَ لنك والممالكِ الثلاث إلى المغول والحروبِ العالميّة، يُذكّرنا بأنَّ هذه الظاهرة تتكرّر عبر الزمن، وأنَّ التبلّد ليس مجرّدَ ردِّ فعلٍ لحاضرِنا، بل نتاجُ تراكمٍ تاريخيّ من المشاهدِ المروِّعة المتكرّرة، حيث على البشريّة أن تعود لتواجه دائمًا تحدّيًا واحدًا، هو الحفاظُ على إحساسِها بالآخرين.
ربّما ستخسر الإنسانيّة الكثير في هذه الحروب، وربّما ستخرج أكثرَ جراحًا وأقلَّ براءة، لكنّ الخسارةَ الحقيقيّة تبدأ فقط عندما نتوقّف عن الشعورِ بأنّ ما يحدث للآخرين يعنينا. في عالمٍ يعتاد الألم، يصبح الحفاظُ على الحسِّ فعلَ مقاومةٍ وصيغةً أخيرةً للدفاع عن الإنسان. والحفاظُ على الإحساس بالآخرين، وإعادةُ الوجوه إلى الأرقام، هو ما يمنع البشريّة من الانزلاق إلى التبلّد، ويُبقي معنى الإنسانيّة حيًّا رغم الخراب، ويُذكّرنا دائمًا أنَّ الحرب لا تُقاس بالانتصارِ العسكريّ وحده، بل بالانتصارِ القيميّ والإنساني. فإن انتصرت القيم، يصبح رقمُ الضحايا ذا معنى، ثمنًا لكرامةِ وإنسانيّةِ الفردِ والجماعة