دردشة مع الشاعرة رولا سرحان: الزمن هو معضلة الفلسطيني المزمنة

2026-01-27 16:55:04

حاورها: زياد خداش

 

تكتب رولا سرحان القصائد والمقالات، في قلبها تعيش القصيدة وفي عقلها تجلس المقالة، حضورها كامرأة واضح ولكن دون ادّعاء أو نمطية، الفقد ثيمة مركزية في عالمها الشعري، ولديها قدرة كبيرة على ابتكار صور شعرية طازجة دون بلاغة أو رنين أو صوت مهرجاني، غالباً لا توجد رولا في الأمسيات، تكتب الشعر، وتتأخر في نشره، ليس خوفاً من قارئ ما، لكنها تحترم حياة القصيدة الداخلية ومزاجها فتتركها نهباً لذاتها.
صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية: مجموعة "حرا على آخرك" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – لبنان، 2013، مجموعة "السِّوى" عن الدار الأهليّة للنشر والتوزيع - عمان، 2017، ومجموعة "هونا ما"، عن دار المتوسط للنشر والتوزيع - إيطاليا، 2025. هذه دردشة معها.

* تبدو عليك السعادة لهذه العزلة. لا نراك في صخب الأمسيات رغم أن نصك ليس أعزل؟
- أعتقد أن العزلة، في الأغلب، نابعة من احتياج داخلي وإحساس عميق بالحاجة إلى إبقاء الذات متماسكة في ظل الصخب الحدثي الذي نعيشه كفلسطينيين، فهنالك دائماً هذا التوتر العالي للأحداث التي دائماً ما تشعرني بالحاجة إلى اتخاذ مسافة منها كي أتمكن من تشكيل موقف خاص.

وسبب ذلك أساساً كامن في المشهد التواصلي والبيئة الإعلامية والبيئة الثقافية عموماً، والتي غيرت من كيفية تشكيل مواقفنا وآرائنا، بحيث أصبحنا مستباحين فكرياً، نعاني قلقاً أو ذعراً أخلاقياً مستداماً، يدفعنا دفعاً باتجاه المحاولة كي نكون على الجانب الصحيح من إنسانيتنا.

وبالتالي، أميز هنا ما بين العزلة والانعزال والاعتزال، العزلة حاجة اختيارية أقرب إلى الاعتزال الذي يحقق هذه العزلة، اعتزال ما لا يُرضي إلى ما يُرضي، أما الانعزال فهو في الأغلب قهري، وأعتقد أن ما شهدناه خلال الفترة الماضية، وما زال مستمراً، على شكل إبادة جماعية، فرض علينا الانعزال عن كل ما هو احتفائي، رغم حاجتنا إلى ذلك كبشر.

* في رصيدك ثلاث مجموعات شعرية. ما الذي يدفعك إلى الكتابة رولا؟ كيف تصفين حالة الخضوع الجميل لفكرة أن نكتب؟
- الكتابة هي فعل متناقض بالأساس تحمل في طيها الانفجار والنمو معاً، وهي فعل داخلي - ذاتي وخارجي في الآن معاً. فعند نقطة معينة تشعر بتلك الحاجة الملحة للكتابة، أنك في احتياج لتلك الجرعة التي تبقيك في حالة غرائبية من الوعي واللاوعي كي تحافظ على صحتك الذهنية والنفسية، وعند تلك اللحظة الحرجة، والتي تحمل معها المادة الخام للكتابة، تصير تلك اللحظة لحظة لا تُحتمل، والتي أسميها لحظة الانفجار، وعندما تبدأ بتفريغ هذه الشحنة، فإنك في الوقت نفسه تبدأ برعايتها وتطويرها، والحفاظ على تماسكها وهشاشتها، وإبراز حالتك وحالتها في آن، وهي حالة خضوع كما أشرت في سؤالك، ولكن بمعنى الإنسيابية الواعية، أي القبول بأن تقودني الفكرة إلى حيث تريد، فغالباً ما أبدأ نصاً بفكرة ما، ولكنه ينتهي بفكرة مغايرة تماماً، وكأن النص يقود نفسه، تاركاً إياي في المقعد الخلفي مستمتعة بسبر أفق جديد تماماً، نما تدريجياً من خلال الكتابة.

* في نص ساحر لك (مدينة صعبة) تتوسلين وقتاً لا يكفي لشيء. كيف تصفين رام الله، رولا، ذكريات وشعراً ؟
- أعتقد أن الوقت أو الزمن عموماً هو معضلة الفلسطيني المزمنة، حيث ما زلنا كفلسطينيين نريد للزمن أن يكون زمننا، وأن لا نكون على هامشه، فنحن نريد له أن يمشي في دورته العادية بثالوثه الذي تعلمناه كماضٍ وحاضر ومستقبل، ودون أن يكون زمناً ماضياً مستمراً فقط، أو زمناً نكبوياً بامتياز.

نريد للزمن أن يكون مليئاً بالأشياء والتفاصيل الصغيرة البسيطة، المملة أحياناً، أن تكفي لكل الفرح المختزن في قلوبنا، دون أن نشعر بجرمية فرحنا إن فرحنا.

وهذه بالأساس قضية حساسة، تفرض علينا أن تكون الـ"أنا" والـ"نحن" لصيقتين دوماً، وفي "ذات" مثقلة بعبء الماضي الذي يملأ الحاضر، ما يجعلنا في حالة غير سوية في كثير من الأحيان، أو تتحول هذه الحالة غير السوية إلى حالتنا الطبيعية، أي أن نكون بشراً غير أسوياء ما دمنا نعيش في زمن غير سوي ولا يمشي في حركة طبيعية تقدمية إلى الأمام.

وهذا لا يعني أبداً، الإغراق في الذاتية الفردية أو الأناوية النرجسية أو الأنانية، إنها مطلب إنساني بالأساس متمحور حول سؤال "الحق"، الحق في أن نكون قادرين على الشعور والإحساس الشخصي خارج إطار الصدمة المستمرة، إنها محاولة نحو استعادة إنسانيتنا المسلوبة.

وهذا يعيدني إلى سؤالك حول رام الله؛ رام الله الممتدة على زمن مقسم بين ما نعيشه كفلسطينيين من زمن نكبوي، وزمن العيش الطبيعي فيما يمكن أن يكون خارجه، فتحاول هذه المدينة القفز من الزمن النكبوي ومن سياقه لتكون مفعمة بالحياة، قد يراه البعض تناقضاً، أو ينظر الكثيرون إليه باعتباره عيشاً داخل فقاعة معزولة عن واقع السياق الاستعماري الذي يعيشه الفلسطيني، وفي هذا شيء من الصحة لكنه ليس دقيقاً، أعتقد أن رام الله ومن يعيش فيها أو يأتي إليها من المدن الأخرى يُحاول أن يظل على تماس مع إنسانيته، والماثلة في تلك الحاجة الملحة والضرورية للعيش ولو للحظات، وإن كانت قصيرة، داخل شكل من الانسحاب من الزمن النكبوي، وهو شكل من أشكال أو فعل من أفعال التمسك بالحياة في مواجهة الموت المستمر، إذ أرى أن محاولة الإصرار على العيش، والفرح، وسط كل هذا الظرف النكبوي الاستثنائي هي أسمى صور التمسك بالبقاء.

تلك هي رام الله بالنسبة لي، مدينة لن تفهمها إلا إن فهمتها من خلال ما تكشفه لنا من إنسانيتنا في تناقضاتها.

* نصوصك مشغولة بقلق الهوية، من أنت رولا؟ هل أنت متأكدة أنك أنت؟
- إذا كنت تقصد الهوية بمعنى "الماهية" يمكنني أن أجيب بنعم، أما بمعناها الفكري، فلا أعتقد أن هنالك أحداً يستطيع أن يجزم أنه "هو" "هو"، فمجرد اليقين الهوياتي هو موت مبكر لأنه يقضي على التجدد والاشتقاق، بحيث تفقد الهوية عموماً معناها الكامن في سيولتها ونموها وتطورها، فالهوية هوى وهاوية وهوة وكل ما تستطيع اشتقاقه من مصدر الكلمة، وقد نصل أحياناً إلى أجزاء منها نريدها ونفقد بعضها الآخر في أحيان أخرى، وهذا ما يميز ويفصل ما بين الهويات. لذلك، نعم فالهوية بالنسبة لي مصدر قلق مزدوج ومركب، فهي على الصعيد الشخصي انشغال حقيقي، وعلى الصعيد الجمعي هي انشغال وهَمٌ ينشغل به الفلسطيني عموماً منذ أن وجد نفسه في مواجهة محوه وتغييبه وإسكات صوته.

* من هو الشاعر الذي ما زلت تقرئينه حتى الآن؟
- أعتقد أنه يمكنني الإجابة بالإحالة إلى العصر، فما زلت أقرأ لشعراء من عصور شعر أدب المعلقات أو العصرين الأموي والعباسي كي أحافظ أو أعمل على استمرارية إمساكي بناصية وجمالية اللغة العربية ليستقيم قلمي الشعري، وهذه ضرورة، لنقل، لغوية وجمالية؛ أما من الشعراء العرب فما زلت أقرأ لأمل دنقل، الذي ما زال يتكشف أمامي في كل مرة أقرؤه. وعالمياً، أظل أعود إلى لوركا ونيرودا، وأتابع حالياً شاعراً يونانياً فذاً هو خريستوس كوكايس.

كما أتابع معظم ما يكتبه شعراؤنا وشاعراتنا الحاليون الذين ظلموا ما بين الزمن الشعري الذي يُراد له أن يتوقف عند محمود درويش وما بين زمن الآن المفعم بعذوبتهم الشعرية التي تفوق الوصف، من أمثال فارس سباعنة، وعلي أبو عجمية.

* هل يصلح الشعراء أن يكونوا عابري أجيال وأذواق؟
- أعتقد ذلك، ولكن ولربما في حالة واحدة، إذا ارتبط النص الشعري بسمو الفكرة، والمقصود أن يتحول النص الشعري من مجرد تجريد ذهني أو حالة شعورية خاصة إلى حالة فيها شيء من العمومية، بحيث يمتلك الشاعر تلك الجرأة والبلاغة الشعرية والشاعرية لتحويل قلقه الشخصي أو فكرته إلى لغة ناقلة لما يرى فيه تماساً مع واقعه الذاتي وواقعه الموضوعي، بحيث يتحول النص إلى جسر معرفي وجداني يربط ما بين التجربة الشخصية للشاعر والتجربة الجمعية في نطاقه الضيق، والتجربة الجمعية الإنسانية على نطاق أوسع.

* أنت رئيسة لتحرير موقع أدبي وصحيفة، أقرأ مقالاتك السياسية، والثقافية، وأحب أنك تفصلين بين ليل الشعر ونهار المقال؟
- إن كان المقصود هو الفصل بين الشعر والمقال كأسلوب أكيد أتفق، ولكنها - الكتابة الصحافية والشعرية - تظل تصب في بوتقة واحدة، وهي محاولة قول شيء ما، لربما هي مثل حالة من عدم المقدرة على الصمت بعد أن يدرك الفلسطيني منا حجم الإسكات المفروض عليه، فيعبر بوسائله كلها ويرفض الاختيار بينها.

ولا يسعني إلا أن أتذكر ما قاله غسان كنفاني ذات مرة عندما نُصح بالابتعاد عن الصحافة والاهتمام بالكتابة الأدبية فأجاب بأنه يُريد أن يقول شيئاً، وأحياناً يستطيع قوله بكتابة الخبر الرئيس في الصحيفة، وأحياناً بصياغة الافتتاحية، وأحياناً لا يستطيع أن يقول الذي يريده إلا بقصة.