خارطة طريق لإصلاح منظومة التعليم
بعد سلسلة مقالات حلّلنا فيها جذور أزمة التعليم في فلسطين وأبعادها النقابية والسياسية والمجتمعية والإعلامية، يصبح السؤال الطبيعي في ختام هذه السلسلة: كيف ننتقل من تشخيص الأزمة إلى هندسة الحل؟
فاستمرار الوضع الراهن ليس خيارًا، وتعليق العام الدراسي ليس وسيلة إصلاح، وإضعاف الاتحاد أو تسييس المدرسة ليس طريقًا للخروج من المأزق. التعليم في فلسطين يواجه لحظة مفصلية: إما إعادة بناء الاستقرار، أو الانزلاق التدريجي نحو تفكك يضرب الهوية التعليمية والوطنية معًا.
الحل ليس وصفة سريعة، بل خارطة طريق وطنية مركّبة. يمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات رئيسية متكاملة:
1- توحيد الصوت النقابي وتثبيت المرجعية القانونية للعمل التربوي.
الانقسام النقابي أحد أسباب تفاقم الأزمة، إذ لم يعد بإمكان أي جهة - مهما كانت - التفاوض أو الضغط بفعالية بدون وحدة قرار. لذلك فإن الخطوة الأولى هي:
• إقرار انتخابات نقابية دورية تعيد إنتاج الشرعية من صناديق الاقتراع لا من التجييش الرقمي.
• تعزيز بنية الاتحاد العام للمعلمين قانونيًا وتنظيميًا.
• دمج مطالب الميدان ضمن إطار تفاوضي مسؤول بدل الاحتجاج المفتوح.
• اعتبار أي حراك خارج الاتحاد رافدًا للمطالب لا بديلًا عن النقابة.
إن الاتحاد لا يجب إسقاطه، بل إصلاحه وتقويته؛ فالنقابة المشتتة لا تحفظ حقوق المعلم، ولا تحمي التعليم.
2- ضبط الإدارة التربوية وتطوير الموارد البشرية داخل الوزارة
الاحتجاج لا يتعلق فقط بالراتب، بل أيضًا بالإدارة والإنصاف الوظيفي. الإصلاح هنا يتطلب:
• بناء سلم ترقيات وحوافز شفاف قائم على الكفاءة والأقدمية.
• تحديث نظام التقييم والعلاوات وربطه بالتميّز المهني.
• تحويل السياسات من رد فعل إلى برامج تنفيذية طويلة الأمد.
• تفعيل مراكز بحث تربوي ومرصد وطني لمؤشرات التعليم.
فالمعلم لا يبحث عن راتب فقط، بل عن كرامة مهنية واستقرار وظيفي ومسار واضح للنمو.
3- تعزيز السيادة المالية على الراتب وتحصين التعليم من الابتزاز السياسي :
ما دام الاحتلال يتحكم بالمقاصة، ستبقى الرواتب عرضة للتذبذب. وبناء سيادة مالية تدريجية يتطلب:
• إنشاء صندوق وطني مستدام لدعم التعليم ورواتب المعلمين.
• تطوير شراكات اقتصادية لتعزيز تمويل القطاعات الحيوية.
• تحسين هيكلة الإنفاق العام وترشيد المصروفات الثانوية.
• الضغط السياسي الدولي لضمان عدم استخدام المقاصة كسلاح مالي.
وبذلك نحول التعليم من قطاع هشّ إلى قطاع محمي ماليًا وقادر على الصمود.
الخلاصة: الإصلاح مسؤولية مشتركة
الحكومة -رغم محدودية قدرتها- مطالبة بالشفافية والمأسسة.
الاتحاد -رغم شرعيته- مطالب بالتجديد والتطوير.
المجتمع -رغم حرصه- مطالب بألا يضع السياسة فوق مستقبل أبنائه.
الإعلام -رغم تأثيره- مطالب بأن يكون أداة وعي لا تضليل.
والأهم: الطالب لا يجب أن يدفع ثمن أي صراع.
إن الأزمة ليست "أزمة معلمين" فقط، بل أزمة نظام تعليمي وطني في لحظة اختبار تاريخي. والحل ليس في كسر المؤسسة، بل في إعادة بنائها، لا في الصراع بين الأطراف بل في شراكة واعية تحفظ الحقوق وتضمن استمرارية المدرسة.
فإذا كان التعليم معركة وعي، والمعلم جنديه الأول، فإن الدفاع عن التعليم هو دفاع عن فلسطين نفسها.
ولأن الأوطان لا تُبنى بالصوت الأعلى بل بالعقل الأوعى، فإن مستقبل التعليم الفلسطيني سيُكتب بالمسؤولية لا بالمزايدة، وبالعمل المؤسسي لا بالفوضى، وبالإصلاح الجاد لا بالشعارات.
هذه السلسلة ليست نهاية نقاش الأزمة… بل دعوة لبدء نقاش وطني أكبر:كيف نحمي المدرسة؟ كيف نحصّن المعلم؟ كيف نعيد الثقة؟ وكيف نصنع جيلًا لا ينكسر؟