خياراتٌ اضطرارية بين الأسوأ والأقل سوءاً
رأي مسار
ما تزال مذبحة غزة متواصلة، وما لا تسيطر عليه إسرائيل بأقدام جيشها على الأرض، تسيطر عليه بالحصار والقصف والتدمير، وإذا كنا رحبّنا بفتح معبر رفح رغم القيود الخانقة التي تحيط به فلأننا قارنا بين إغلاقه المطلق، وبعض المزايا الجزئية لافتتاحه في كلا الاتجاهين، إضافةً إلى أننا نرى في الترتيبات التي تمّ الاتفاق عليها في تشغيله، لا تتيح لإسرائيل استخدامه كبوابةٍ لتهجير الفلسطينيين.
كل شيءٍ ما دامت حرب غزة مستمرة وأحياناً متصاعدة، يُنظر إليه من زاوية المفاضلة الاضطرارية بين السيء والأقل سوءاً.. السيء حرب الإبادة والأقل سوءاً خفض مستوى القتل.
والسيء ما سعت إليه إسرائيل من أهدافٍ استراتيجيةٍ كارثية ضد خصمهم الرئيس الفلسطينيين وحقوقهم ووجودهم السياسي والكياني، والأقل سوءاً أن خطواتٍ مضادةٍ تتم لمقاومة المسعى الإسرائيلي تقل كثيراً عمّا كانت الأمور عليه قبل حرب الإبادة.
والسيء أن لا تعود السلطة الوطنية إلى إدارة غزة كما كان الأمر عليه قبل انقلاب حماس، والأقل سوءاً أن تستبدل السلطة السياسية الفلسطينية التي كانت، بلجنةٍ مؤقتةٍ تؤدي مهاماً غير سياسيةٍ بالمعنى المباشر، وتعمل على إسعاف أهل غزة وإدارة الخدمات الضرورية لأهلها، إلى أن تتم تسوية الملف بصورةٍ نهائيةٍ بإعادة غزة أرضاً وشعباً إلى انتمائها الطبيعي لكل الوطن ولمشروع الدولة.
الأصح والأسلم وطنياً أن يجيد الفلسطينيون التعامل مع الحرب التي لم تتوقف بعد ومع ما خلّفته حتى الآن من آثارٍ كارثيةٍ مدمرة، وذلك بالتعاون الوثيق مع الأشقاء العرب والمسلمين الذين يعالجون ملف غزة من منطلق الحفاظ على مصالح الفلسطينيين دون نسيان أن غزة بالنسبة لهم ولمصر بالذات، مسألة أمنٍ قومي لا مجال فيه للتراخي والمساومة.
والأصح والأسلم كذلك وبدل الذهاب بعيداً في الاقتتال على وصف ما حدث على أنه نصرٌ أم هزيمة، هو أن يرمم الفلسطينيون بيتهم، وأن يسدّوا الثغرات الواسعة في مبناه وأن يتشبثوا بالأهداف الوطنية وليس بالأخطاء القاتلة التي ارتكبتها الطبقة السياسية والتي انقسمت وقسمت المجتمع وها نحن نرى النتيجة في حاضر غزة، والمخاطر على مستقبل الضفة.
الواقع الذي نعيش يقول، إن العالم معنا وليس ضدنا، ولو أنه قليل الحيلة في وقف جنون إسرائيل الإجرامي وجنون ترمب السياسي المتقلب والمتردد، وفي هذه الحالة فإن كل الوقت صالحٌ للبدء في إعادة ترميم البيت الفلسطيني، واستعادة وحدة شعبه وقواه وشرعيته، فذلك أجدى ألف مرة من الاقتتال الكلامي على وصف ما حدث على أنه نصرٌ أم هزيمة.
لو سُئلت حماس لماذا وافقتِ على مبادرة ترمب، هل بوسعها القول إن ذلك تعبيراً عن النصر؟ ولو سُئلت السلطة الشرعية، لماذا تم استبعادك عن اللعبة فماذا ستقول؟
المخرج الوطني مما ننحن فيه يبدأ بترتيب البيت بإعادة الأمانة إلى أهلها أي إلى الشعب فهو وحده من يمنح الشرعية ويحمي الحقوق الوطنية.