أمَّا جميلُ المحسنات ففي النهار وفي الدجنّه!

2026-02-04 11:18:46
قفز هذا البيت -خاتمة قصيدة الشاعر الراحل إبراهيم طوقان الحانية الرقيقة الشفيفة الصادقة- إلى ذاكرتي، بينما كان مُضيفيّ يصحبونني أمس في جولةٍ بأقسام وردهات مستشفى أوغستا فكتوريا بالقدس المعروف  باسم "المطّلع"، عشية حلول اليوم العالمي لمرضى السرطان. 

عندما تلقيت الدعوة لم أتردّد بقبولها، فالمستشفى الذي يتميز بخطابٍ معماريّ أنيق، له في ذاكرتي بصمةٌ لا تُمحى، وفي قلبي حجرة محبة، تأسست منذ الطفولة حين كنت أرافق والدي طيّب الله ثراه في زيارة المرضى من الأقارب والأصدقاء، الذين كانوا يشعرون بالتعافي ما إن تطأ أقدامهم عتباته المسكونة بالسكينة.

سُعدتُ بالجولة التي رافقني فيها مدير المستشفى الدكتور الشاب فادي الأطرش، والدكتور هاني عابدين، المدير الطبي ووزير الصحة الأسبق، وليليان هزو مديرة مكتب المدير التنفيذي، وازدهار شاهين منسقة الإعلام الشغوفة بعملها، التي حرصت على أن تلتقط بعدستها "اللحظات الهاربة"، والصديق محمد الرجوب الذي رتب لهذا اللقاء الدافئ.

كانت الجولة في أقسام المستشفى المترامية بمثابة رحلةٍ عبر الزمن، إذ تشم عبق التاريخ في مكاتب جلس عليها قادةٌ رسموا ملامح المنطقة وهم يحتسون أكواب الشاي بجوار مدفأة عتيقة، وترى الحداثة في الجدران المرمّمة والمسارات المائلة، والأرضيات الحانية على الخطى التي تمشي بتؤدة، فيما تطل من شبابيكه الأنيقة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تسابق الزمن لإنقاذ الأرواح وبلسمة الجراح، فالمطّلع ليس مجرد مستشفى، بل هو جزءٌ من هوية القدس، ومَعلمٌ من معالمها.

أينما يمّمتَ وجهك في هذه "الأيقونة المقدسية"، ترى الطمأنينة تمشي بجوارك، والرضا يرقد بهدوءٍ على أسرّةٍ تُدفئها المتابعة الشغوفة التي تخفف الأوجاع بابتسامة، وتزرع الأمل بكلمة، فلا تسمع فيها لاغية، بل همس الدعوات، وتراتيل الرجاء، وفي "مدرسة الإصرار"، ترى كيف تتحول السبورات إلى جبهات صمود، حيث يكتب الأطفال بأيدٍ مثقلةٍ بالإبر قصصاً عن غدٍ مفعمٍ بالأمل.

مثل خلية نحلٍ يتحرك الجميع في الأقسام والممرات، من أطباء وممرضين وتقنيين يجمعهم الوفاء للمكان.. شكراً للمطّلع إدارةً وعاملين، أطباء وطبيبات، ممرضين وممرضات، فمُرُّ الدواء بفِيك حلوٌ من عذوبة نُطقِهِنّهْ.