القيادة التربوية.. مسؤولية تتجاوز الإدارة

2026-02-09 14:09:16

في البيئات المستقرة، يُنظر إلى مدير المدرسة بوصفه إداريًا ينظم الجداول، يتابع الحضور، ويضبط النظام. أما في السياق الفلسطيني، فالأمر مختلف جذريًا. مدير المدرسة هنا لا يدير مبنى، بل يقود مجتمعًا صغيرًا يعيش تحت ضغط مركب: احتلال، أزمات اقتصادية، اكتظاظ صفوف، فجوات رقمية، آثار صدمات نفسية، وموارد محدودة. ومع ذلك، يُطلب منه أن ينتج تعليمًا نوعيًا، ويصنع بيئة آمنة، ويحافظ على الانضباط، ويعزز القيم، ويواكب التحول الرقمي.
هذه المفارقة تكشف حقيقة أساسية: نحن لا نحتاج "مديرًا إداريًا"، بل نحتاج قائدًا تربويًا مكتمل الأدوات. القائد الذي يفهم أن المدرسة ليست مبنى، بل ثقافة. ليست سجلات، بل علاقات. ليست امتحانات فقط، بل تشكيل وعي وبناء إنسان.
القيادة التربوية في فلسطين لم تعد ترفًا فكريًا ولا مفهومًا أكاديميًا للنقاش النظري؛ إنها ضرورة مجتمعية. لأن المدرسة، في ظل هشاشة البيئة العامة، تصبح إحدى آخر المساحات المنظمة التي يمكن أن تُعيد إنتاج الأمل والانضباط والمعنى. وهنا يصبح دور المدير محوريًا: إما أن يكرّس ثقافة الإحباط والروتين، أو أن يبني ثقافة مهنية تقوم على الصمود الإيجابي والعمل المنظم.
لكن الإنصاف يقتضي أن نعترف: لا يمكن تحميل مدير المدرسة وحده عبء هذه المعادلة المعقدة دون تمكين حقيقي وتأهيل منهجي مستمر. فالقيادة ليست صفة فطرية، بل كفايات تُبنى. وليست تجربة عشوائية، بل مهارات تُدرَّس وتُصقل.
في السياق الفلسطيني، لا يعمل مدير المدرسة في بيئة مستقرة يمكن ضبطها بأدوات إدارية تقليدية. هو يقود مؤسسة تعليمية في ظل واقع متقلب، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل يومي. ومع ذلك، ما زلنا نقيس أداءه غالبًا بمعايير الانضباط الشكلي وانتظام السجلات.
لكن ماذا يحدث عندما لا يكون الدوام منتظمًا أصلًا؟
ماذا يحدث حين تتقلص الحصص الدراسية بسبب انقطاع الرواتب أو الإضرابات أو ظروف قاهرة؟
ماذا يحدث عندما تتحول المدرسة إلى ساحة نقاش حول المناهج ومحاولات تعديلها أو الضغط عليها؟
هنا تتغير طبيعة الدور بالكامل.
مدير المدرسة الفلسطيني اليوم لا يواجه فقط تحدي تحسين جودة التعلم، بل يواجه تحدي حماية استمرارية التعلم نفسه. عدم انتظام الدوام ليس مجرد خلل إداري؛ إنه خلل بنيوي يهدد الفاقد التعليمي، ويخلق فجوات معرفية تتراكم عامًا بعد عام. وفي مثل هذا الواقع، لا يكفي أن ينتظر المدير استقرار الرواتب أو صدور التعليمات، بل عليه أن يفكر قياديًا: كيف يُعيد تنظيم الأولويات؟ كيف يركز على المهارات الأساسية؟ كيف يمنع الانقطاع من التحول إلى انهيار؟
تقليص عدد الحصص يفرض قرارات شجاعة. القائد التربوي هنا مطالب بإعادة هندسة الجدول لا باعتباره ترتيبًا زمنياً، بل باعتباره خطة إنقاذ معرفي. أي المواد تُعطى أولوية؟ كيف يمكن تكثيف التعلم دون إنهاك المعلم؟ كيف نحافظ على الحد الأدنى من العدالة بين الصفوف؟
ثم هناك بعد آخر أكثر حساسية: محاولات تغيير المناهج أو الضغط عليها سياسيًا أو ماليًا. في هذه اللحظة، يصبح مدير المدرسة في موقع وطني استثنائي. ليس بوصفه فاعلًا سياسيًا، بل بوصفه حارسًا للهوية التربوية. عليه أن يوازن بين الالتزام بالتعليمات الرسمية، والحفاظ على الثوابت الوطنية والقيم التربوية، دون أن يُدخل المدرسة في صدامات غير محسوبة.
القيادة هنا ليست خطابًا حماسيًا، بل اتزانًا عاليًا. هي القدرة على حماية المدرسة من الاستقطاب، مع الحفاظ على وضوح الرؤية. هي أن يظل القرار التربوي مهنيًا، لكن غير منفصل عن السياق الوطني. أن يُدرّس الطالب مهارات التفكير النقدي، لا مجرد ردود الفعل. أن يحافظ على المدرسة مساحة تعليم، لا ساحة توتر.
في ظل انقطاع الرواتب، يتآكل الدافع المهني لدى المعلمين. وهنا يظهر الفارق بين المدير الإداري والقائد التربوي. الأول يكتفي بإدارة الغياب، والثاني يحاول احتواء الإرهاق النفسي، وبناء حد أدنى من المعنويات، وتعزيز روح الفريق رغم الضغوط. هو يدرك أن المعلم المنهك لا يُلام فقط، بل يُسانَد.
لهذا، فإن القيادة التربوية في فلسطين ليست ترفًا تنظيريًا. إنها ضرورة بقاء. لأن المدرسة في ظل هشاشة البيئة العامة تمثل إحدى آخر المؤسسات المنظمة التي يمكن أن تحافظ على الإيقاع المجتمعي. وإذا اهتز هذا الإيقاع، فإن أثره يتجاوز جدران الصف.
السؤال الجوهري لم يعد: هل مدير المدرسة كفء إداريًا؟
بل أصبح: هل يمتلك أدوات القيادة في واقع غير منتظم، وضاغط، ومشحون؟
هذا هو التحدي الحقيقي. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى إعادة تعريف الدور، لا لزيادة الأعباء، بل لتوفير الأدوات التي تمكنه من أداء هذا الدور الوطني والتربوي في آنٍ واحد.