تفكيك الشرق الأوسط خطوة على طريق التفرد الصهيو-أمريكي بالعالم اجمع
على مدى أكثر من قرن، ظل الشرق الأوسط ميدانًا للصراع بين الهوية والسيادة من جهة، والتدخل الخارجي من جهة أخرى. منذ بدايات الاستشراق، ركّز الاستعمار على الهويات الدينية والعرقية والطائفية وربطها باستراتيجيته للسيطرة على المنطقة. منذ حقبة المستشرقين الأوائل وحتى المحافظين الجدد، ظل الهدف واحدًا: إضعاف الدول الكبرى، تفتيت هويتها، واستغلال الصراعات الداخلية لتحقيق الحلم الاستعماري بالسيطرة على كل الموارد والمقدرات.
ما يثير الانتباه هو أن هذا الفكر لا يحتاج إلى خرائط رسمية أو إعلانات واضحة؛ يكفي استغلال الانقسامات الداخلية والهويات المتعددة لتدمير أي مشروع دولة متماسكة. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ركّز المستشرقون الغربيون على فهم الشرق الأوسط من منظور ثقافي واجتماعي، وأبرز رؤاهم كانت صادمة: الدول العربية لن تستطيع الحفاظ على وحدة قوية بسبب الانقسامات الطائفية والدينية والقبلية. لم تكن هناك خرائط، لكن التحليلات كانت تضع الأساس لفكرة أن كل دولة عربية فيها عوامل داخلية يمكن استغلالها للتفكك داخليًا قبل أي تدخل خارجي مباشر.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع بدء الحرب الباردة، أصبح التحليل الاستشراقي مرتبطًا بالمصالح الجيوسياسية. فالغرب بدأ ينظر إلى المنطقة كساحة نفوذ، الهدف تقسيم الدول الكبرى إلى مناطق خاضعة للسيطرة، استغلال الانقسامات الداخلية، وتأمين مصادر الطاقة الاستراتيجية والمعادن. مثال واضح على ذلك دعم الأكراد في العراق وإيران وتركيا كأداة لتوازن القوى وتقليل نفوذ الدولة المركزية، مما جعل هذه الدول ضعيفة وغير قادرة على مقاومة النفوذ الخارجي.
برنارد لويس وضع التحليل النظري الأبرز حول تفكيك الشرق الأوسط. وفق لويس، فإن الانقسامات الدينية والطائفية والعرقية هي أداة طبيعية لتقسيم الدول الكبرى. لويس لم يرسم خرائط، لكنه قدّم الإطار الفكري الذي استُخدم لاحقًا بعد أحداث 11 سبتمبر لتبرير سياسات التفكيك والفوضى الخلاقة. تحليله صادم: الدول العربية لن تستطيع الوحدة إلا إذا تخلّت عن هويتها الوطنية لصالح هويتها القومية، وهو أمر غير ممكن عمليًا، مما يجعل الوحدة صعبة إن لم نقل مستحيلة.
زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد جيمي كارتر، قدّم البعد الجيوسياسي العملي لهذا الفكر التفكيكي. بريجنسكي لم يتحدث عن الشرق الأوسط من زاوية ثقافية فقط، بل من منظور السيطرة العالمية، معتبرًا أن أي دولة كبيرة ومتماسكة في أوراسيا أو محيطها تمثل تهديدًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية. في كتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى»، أوضح أن إضعاف الدول لا يتطلب دائمًا الغزو المباشر، بل يكفي استثمار الانقسامات الداخلية، دعم الهويات المتصارعة، وتشجيع التفكك السياسي لتحويل الدول إلى كيانات أصغر وسهلة الاحتواء. بالنسبة له لم يكن التقسيم هدفًا أيديولوجيًا، بل أداة استراتيجية لضمان استمرار التفوق الأمريكي ومنع نشوء قوى إقليمية مستقلة، وهو منطق انسحب لاحقًا على الشرق الأوسط، القرن الإفريقي، وآسيا الوسطى، حيث جرى التعامل مع الدول الهشة بوصفها ساحات إدارة صراع لا دولًا ذات سيادة كاملة.
بعد أحداث 11 سبتمبر، تحوّل الفكر النظري إلى سياسة عملية على الأرض. المبادئ الأساسية كانت الأمن القومي الأمريكي أولًا لحماية المصالح الاستراتيجية، ذريعة الدمقرطة لخلق حلفاء محليين، والفوضى الخلاقة التي تسمح بالصراعات الداخلية إذا أضعفت الدولة، فإن ذلك يعزز النفوذ الأمريكي. العراق، سوريا، اليمن، وليبيا أبرز الأمثلة على هذا النهج، حيث تفككت الدولة على أسس مذهبية وطائفية، مما مكّن النفوذ الخارجي من التغلغل بحرية.
المحافظون الجدد ربطوا التحليل الثقافي بالسياسة العملية، ودعموا الانقسامات الداخلية، وخلقوا كيانات أصغر، واستغلوا الطائفية والعرقية لإضعاف الدول المركزية. النتيجة كانت دولًا ضعيفة وهشة، غير قادرة على مقاومة النفوذ الخارجي، أو حتى الحفاظ على سيادتها بشكل كامل. هذا الفكر جعل الشرق الأوسط كله مفتوحًا للتدخل، ليس فقط للتحكم بالموارد، بل لإدارة الهوية والسيادة بشكل مباشر.
نتنياهو ربط كل هذه الأفكار بالمنظور الإسرائيلي للأمن القومي. استراتيجياته تشمل دعم الانقسامات الداخلية للدول العربية والإسلامية، واستغلال الصراعات الطائفية والعرقية لتفكيكها عمليًا، وتحالفات مع دول عربية للحد من نفوذ خصوم إسرائيل مثل إيران.
الصومال مثال حي على هذا المنطق، حيث استفادت إسرائيل من الانقسامات بين أرض الصومال، بونتلاند، والحكومة المركزية. الإعلان الأخير في 26 ديسمبر 2025، باعتراف إسرائيل الرسمي بأرض الصومال كدولة مستقلة، يؤكد استمرار هذه الاستراتيجية لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في القرن الإفريقي ومضيق باب المندب. هذه الخطوة جعلت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا بكيان انفصالي، وهو نموذج لكيفية تحويل الانقسامات المحلية إلى أدوات نفوذ خارجي.
وفق التحليلات الغربية، يمكن تصور أن سوريا يمكن أن تتجزأ إلى خمس كيانات، العراق إلى ثلاث كيانات، اليمن إلى كيانين أو ثلاثة، السعودية إلى أربع كيانات، السودان إلى أربع كيانات، الصومال إلى ثلاث كيانات، فلسطين إلى كيانين، مصر إلى كيانين، المغرب إلى ثلاث كيانات، الجزائر إلى كيانين، ليبيا إلى خمس كيانات، ولبنان إلى أربع كيانات.
الغرب وإسرائيل يهدفون إلى إضعاف الدول المركزية وتقليل قدرتها على مواجهة النفوذ الخارجي، تحويل الصراع الداخلي إلى أداة للتفكيك، وصولًا إلى السيطرة على الموارد الحيوية، ومنع أي تعاون عربي أو إسلامي فعّال، حيث يكفي استغلال الصراعات الداخلية وتعدد الهويات لإنهاء كل أشكال السيادة الوطنية.
الفكر الغربي حول الشرق الأوسط تطوّر من التحليل الثقافي الاستشراقي إلى السياسة الاستراتيجية التي تُمارس على الأرض عبر التدخل المباشر وغير المباشر. من أبرز الشخصيات صاحبة الفكر والتطبيق لنظرية التفكيك برنارد لويس، الذي اعتبر الهوية الداخلية أداة لتفكيك الدولة، وكونداليزا رايس التي طبّقت الفوضى الخلاقة والديمقراطية الموجّهة، ونتنياهو الذي استغل الانقسامات لتحقيق حلم الحركة الصهيونية في تفكيك المنطقة على طريق إسرائيل الكبرى.
مواجهة كل مشاريع التفتيت الداخلي للدول تتطلب إدارة التنوع داخليًا، تعزيز الهوية الوطنية، وتقوية الدولة كخط دفاع أول ضد أي مشروع خارجي. أما على المستوى الأشمل، فإن معركة التفرد الصهيو-أمريكي والأطماع الممتدة لم تعد مقتصرة على الضعفاء، بل تعدّت ذلك لتطال الهيمنة على دول كانت حتى الأمس حليفة، كما هو حال المطالبة بضم غرينلاند، جزر الفارو، كندا، والمكسيك، وبنما. كلها أجراس إنذار بأننا كلنا، بما فينا الكبار، ضمن خطة الاستهداف. وعليه فإن منع التفرد والأمركة يحتاج إلى وقفة جادة من كل الشعوب والقوى التي تؤمن بالتعددية، وترى ضرورة وجود ضوابط وقوانين تحمي الضعفاء من تغوّل الأقوياء، وتكفل وجود عالم فيه عدل وإنصاف، وتحكمه القيم والمبادئ. لم يعد هناك الكثير من الوقت، فإن نجحوا سوف تحتاج البشرية إلى قرن لترتيب جديد، وقد لا يحصل.