18 عاما في الميدان: المصوّر عصام الريماوي يروي ما لم تُظهره الكاميرا
في بيت الحكاية الدافئ، حيث تُفتح الأبواب على القهوة والذاكرة، استضاف بودكاست "ضيف الرايـــة" المصوّر الصحفي المخضرم عصام الريماوي، المعروف بـ“أبو رامي”، ليحكي حكاية الإنسان خلف الكاميرا… لا الصورة فقط.
لم يكن الريماوي ضيفًا عابرًا، بل ابن الميدان، الذي أينما ذهب صار المكان مكانه، وأينما كانت الحكاية كان حاضرًا بعدسته، يرصدها بعين الصقر ويقنص تفاصيلها، حاملًا وصيته الدائمة لزملائه: “ديروا بالكم على حالكم… الحماية أولًا.”
من الجامعة إلى الميدان
بدأت حكاية عصام الريماوي المهنية عام 2006، يوم خرج من أسوار جامعة بيرزيت ليغطي أول حدث ميداني في حياته: جنازة الشهيد القائد ياسر عرفات. هناك، أدرك أن الميدان أكبر من أي تدريب، وأكثر خطورة مما تخيله، وأن الصورة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
وكانت الأكاديمية والفنانة الدكتورة رولا حلواني من أوائل من آمنوا بموهبته، حين قالت له جملتها الفارقة: “مكانك ليس هنا… مكانك في الميدان”، جملة تحولت لاحقًا إلى قدر ومسار حياة.
الصورة كمسؤولية أخلاقية
على مدار 18 عامًا، غطّى الريماوي معظم الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الضفة الغربية، من مسافر يطا جنوبًا حتى بردلة شمالًا، ومن جنين إلى نابلس وطولكرم ورام الله.
يرى الريماوي أن المصوّر ليس ناقل صورة فحسب، بل مرآة للناس، يعكس معاناتهم، خوفهم، وأملهم.
إصابات… ونجاة متكررة
تعرض الريماوي للإصابة 14 مرة أثناء تغطيته الميدانية، كانت أخطرها في جبل الرسان، وأخرى في بلدة المغير، حيث هاجمه مستوطنون وفقد وعيه بعد ضربة على الرأس، ليستفيق بعد ساعات في المستشفى محاطًا بزملائه وأصدقائه وعائلته.
يقول عن تلك اللحظة: “مش متت… بس رجعت من الموت، وربنا أعطاني عمرًا جديدًا.”
العائلة… الملاذ الآمن
ورغم قسوة الميدان، يبقى البيت هو المساحة الآمنة. يتحدث عصام بعاطفة واضحة عن زوجته وأبنائه: رامي، ليث، وكنان، وعن ابنته “حصة أبوها”، التي لا تفارقه وصيتها اليومية: “دير بالك يا بابا.”
العائلة، بالنسبة له، ليست تفصيلًا جانبيًا، بل مصدر توازن وشفاء من ضغط الصورة والحدث.
الزملاء… رأس المال الحقيقي
يؤمن الريماوي أن العلاقات الإنسانية بين الصحفيين هي رأس المال الحقيقي في المهنة. عمل سنتين دون مقابل مادي في بداياته، لكنه كسب شبكة علاقات ميدانية ما زالت تشكل رصيده الأكبر.
ويؤكد: “العلاقة الطيبة بين المصورين ممكن تنقذ حياة.”
من دوما إلى جنين… الصورة لا تغيب
كان من أوائل من وصلوا إلى جريمة حرق عائلة دوابشة في دوما، وغطّى اجتياحات مخيم جنين، ونور شمس، وطولكرم، ووثق تهجير التجمعات البدوية شرق رام الله، وآخر العائلات التي غادرت شلال العوجا.
في كل مشهد، لم يكن مجرد شاهد، بل جزء من الألم، يحمل الكاميرا بيد، والوجع بالأخرى.
ويرفض الريماوي فكرة “الإكسكلوزيف” على حساب التضامن المهني، ويؤمن أن مشاركة المعلومة تزيد من القيمة ولا تنقصها، ويقول: “إذا تركنا المهنة… لمين نخلّيها؟”
حلم بسيط… وحق مشروع
وعندما سُئل عن حلمه، لم يتحدث عن شهرة أو جوائز، بل عن أبسط الحقوق: الحرية، دون حواجز، دون خوف، دون طرق مغلقة.
ويختم الرماوي حكايته برسالة واضحة: الصورة ليست لحظة عابرة، بل وثيقة تاريخ، وذاكرة شعب، وشهادة لا تسقط بالتقادم.
يُذكر أن بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.