زمن غزة وزمن إبستين... الفلسطينزم كرافعة للزمن الذي لا بد منه
إذا ما اعتمدنا تعريف (هايدغر) للزمن، وهو "ليس ما يمر بنا بل ما نمر نحن به"، فلقد فُرض على فلسطين لسنوات طويلة زمن مختلف عن ذلك الذي كان يجب أن يكون؛ زمن العملية "السلمية"، زمن الانتظار والوهم، زمن الخوف من الخطأ وتوقع رد الفعل، زمن الإدارة لا التحرير، زمن "الواقعية" و"الهدوء" والمعاناة الصامتة بانتظار "الفرج"، زمنٌ قاتلٌ أفرغ السياسة من المعنى، وحوّل القضية إلى ملف، والملف إلى شظايا ملفات متناثرة، وحوّل الشعب في "أحسن" ظروفه إلى حالة إنسانية.
أما زمن غزة قبل أكتوبر فكان أكثر إيلاما؛ حاضرٌ طويل ومتوتر ومشدود، حصارٌ وانتظار بلا أفق، ومستقبل مؤجل قسرا، وابتزاز عند كل منعطف. لقد كانت غزة نموذجا للزمن حيث تُجرد الحياة من ضماناتها، وحيث اللا يقين يقترب من السرمدية.
في ذلك "الأكتوبر" _ والحديث هنا ليس سياسيا مجردا _، كانت غزة تنتج زمنها "الخاص"، كما تفعل الثورة على رأي ماركس. انتقل زمن غزة و (فلسطين) من حركة الوقت إلى الموقف، وأخذ الصمود يعيد تعريف اللحظة، والصمود في غزة ليس كما يُفهم عموما كبطولة وتحمل، بل يمتد ليكون تنظيم حياة تحت الاستحالة، وإنتاج زمن داخل الحصار، وخلق معنى حيث يُمنع المعنى. زمن غزة يشير إلى أن المقاومة ليست بالضرورة مواجهة مستمرة، بل أحيانا إدارة حياة ضد آلة الموت.
في ذلك اليوم، كسرت غزة الزمن المفروض. لم تنتظر ظروفا بل حاولت صنعها. وضعت نقطة في آخر الزمن المفروض وقالت الآن، لا بمعنى استعجال الأمور، بل بإعادة ترتيب الأولويات، وكسر وهم الاستقرار، وفرض سؤال التحرر. في ذلك الحين، صنعت غزة لحظة انقطاع مع الزمن الصهيو_ إمبريالي، كسرت إيقاع ذلك الزمن، وكشفت التاريخ.
نقلت غزة الصراع من الجغرافيا إلى الزمن، فلم تعد فلسطين قضية بعيدة بل سؤالا يوميا، واختبارا أخلاقيا، ولحظة اختيار. كسرت زمن القوة الذي يريده الاحتلال خاطفا وحاسما ونهائيا بإصرارها على الاستمرار، وأخرجت المعنى من تحت الركام، وأظهرت أن مجرد العيش يُفشل معنى "النهاية".
لم تطلب غزة من العالم وقتا إضافيا، بل فرضت عليه زمنها المختلف. زمن لا يقاس بما يُنجز، بل بما لا يُكسر. وحولت الزمن إلى ذاكرة حية، والذاكرة ليست حنينا بل مخزون فعل.
مثلت غزة لحظة تعرية للنظام العالمي؛ كشفت عنف القانون، وزيف القيم ونفاقها، وتواطؤ المؤسسات. أنتجت زمنا يحرج ذلك النظام. حركت زمنا عالميا في الشوارع والجامعات والإعلام وفي الحركات الاجتماعية. زمن غزة، لا يُختزل إلى لحظة أو ساعة غضب. لقد كسر "الإجماع" الأخلاقي الغربي، فلم يعد ذلك الغرب قادرا على الادعاء أنه حامل قيم، ومرجع الأخلاق، وحَكَم العالم.
أي وضوح ذلك الذي صنعته غزة؟، فالعالم لم يعد كما كان. لقد غيرت إحساس العالم بالوقت، وفرضت إيقاعها على العالم الذي اعتاد على التدرج والاحتواء والنسيان.
لا شك أن زمن غزة ليس كافيا لتغيير العالم، لكنه أول زمن منذ عقود، لا يطالب بالاندماج في النظام السائد، بل فضح استحالته الأخلاقية. لم تصبح غزة سياسة عالمية بل معنى كشف تلك السياسة، وهذا في التاريخ ليس أمرا بسيطا.
بعد كل ذلك عن زمن غزة، نأتي لزمن جفري إبستين، والعلاقة بين الزمنين؟.
من الواضح، أن الفضيحة المتعلقة بذلك الملياردير الأمريكي ليست حدثا أخلاقيا منعزلا، بل حدث يتعلق بأمور عديدة تمس جوهر النظام العالمي الحالي، و"نُخب ذلك النظام. إنه حدث كاشف يشير إلى نظام ينتج اللامعقول الأخلاقي. لا يكشف فردا بعينه، ولا حتى مجموعة أفراد، بل بنية كاملة، وما كان لذلك أن يستمر ويُحمى ويعاد تدويره لولا "سلطة" عالمية تعتبر نفسها فوق المساءلة.
إبستين هو عقدة ربطٍ بين المال والسياسة والأجهزة والأمن والنخب الليبرالية التي تدعي الدفاع عن القيم. إنه مرآة للنظام العالمي وليس شذوذا عنه، ونقطة تكثيف لعالم خالٍ من أي نظام أخلاقي، أزعجه كشف الفضيحة، لكنه لم يتأثر بحقيقة وجودها.
الفضيحة الأكبر هي ليس ما فعله إبستين، بل في طبيعة رد الفعل على ذلك، في ما لم يحدث بعد الكشف عن الأمر، إذ لا حديث عن النظام، ولا عن الجهة التي رتبت وأدارت وموّلت، ولا عن العالم الذي يجب عليه أن يشعر ليس فقط بالخجل، بل بالخوف ما دامت هذه الجهة موجودة وفاعلة. هذه الجهة التي "أعلنت" مسؤوليتها عن الأمر، وأبدت شعورا بالفخر بسبب ذلك. الكل يعرفها والكل حريص على أن لا يسميها.
فضح النظام العالمي إبستين و"ضيوفه"، لكنه لم يُبد أي اهتمام بمن جنّده وموّله ورعاه. تم تسليط الضوء على "الزبائن" وتجاهل الموضوع. و"المؤامرة" وصلت ذروتها في تحويل الأمر إلى قضية أخلاقية، بدل أن تكون سؤالا سياسيا بنيويا.
لكن ما علاقة كل ذلك بزمن غزة؟. الجواب واضح كل الوضوح، فالذي يربط بين الأمرين، غزة و إبستين، هو سقوط وهم التفوق الأخلاقي للغرب الصهيوابريالي. إبستين كشف أن القيم الليبرالية تُعلّق فور مس النخبة، وعندما يشعر النظام بالتهديد، وغزة تكشف أن حقوق الإنسان تُعلّق فور مس "مصالح" ذلك الغرب، المتمثل في نظام الفضائح الأخلاقية في حالة إبستين، ونظام الإبادة وجرائم الحرب في حالة غزة.
في هذا النظام إبستين فوق القانون، وغزة خارجه، وإسرائيل فوق الشرعية الدولية، وأمريكا هي تلك الشرعية. إبستين وغزة أظهرا الفرق بين من هو داخل المنظومة، ومن هو خارجها ويشكك فيها، بين من زمنه جزء من تلك المنظومة، وبين غزة التي أنتجت زمنا "أخلاقيا" جديدا ومختلفا.
إبستين هو إبن البنية وخادمها. لم يتحول إلى سؤال عن النظام نفسه كما فعلت غزة. إنه فضيحة، لكن غزة حدث تاريخي، جريمة تحولت إلى معنى، كشفت عنف العالم ولا معقوليته، وتحولت إلى فضاء (حاضنة) تولد الأسئلة المتعلقة بذلك اللامعقول. إبستين أخبرنا أن النظام فاسد، أو أن شيئا فيه فاسد، وغزة أخبرتنا أن النظام هو المشكلة، وفتحت أفقا للتغيير.
من المهم هنا ربط غزة وزمنها بالفلسطينزم. فهي، أي الفلسطينزم، السياسة الممكنة لزمن غزة. فزمن غزة حدث كاشف، والفلسطينزم تحويل هذا الكشف إلى منهج، يدرك أن السياسة العالمية لن تتغير بالشفقة، بل عندما تصبح فلسطين معيارا للفهم، لا موضوع تعاطف.
زمن غزة هو الشرط التاريخي للفلسطينزم. ففلسطين قبل غزة استعمار "خاص" وتعاطف أخلاقي وخطاب حقوقي، أما بعدها فهي اختبار للنظام العالمي وتعاطف سياسي وخطاب بنيوي. غزة حولت الفلسطينزم من فكرة إلى زمن، أحدثت الصدمة التي حولتها الفلسطينزم إلى معنى قابلا للتعميم. بذلك تحولت فلسطين من قضية إلى موقع معرفي، ومن موضوع تضامن إلى منهج قراءة للعالم، ومن مسألة محلية، إلى مبدأ كوني للتصدي للنظام الصهيوامبريالي الليبرالي.