بين خطاب التحذير وخطاب الصدمة: أي طريق أمام المالية الفلسطينية؟
حين يخرج وزير المالية ليحذر من أن عام 2026 سيكون الأصعب في تاريخ السلطة الوطنية، وحين يرد صوت قانوني مطالبا بإعلان الطوارئ والتأميم ووقف الديون وبيع الأصول، فنحن لا نكون أمام اختلاف عابر في وجهات النظر، بل أمام مقاربتين متكاملتين في تشخيص الخطر ومختلفتين في وصف العلاج. الأولى تحاول إدارة الانهيار ومنعه عبر تثبيت السردية السياسية والمالية بأن جوهر الأزمة خارجي سببه احتجاز أموال المقاصة، والثانية ترى أن لحظة "التهديد الوجودي" تستوجب قرارات صادمة تعيد تعريف قواعد اللعبة بالكامل. وبينهما تتحدد مساحة المسؤولية الحقيقية.
خطاب وزير المالية اسطفان سلامة جاء مدعوما بالأرقام: عشرة أشهر دون تحويل المقاصة، عجز تضاعف، مديونية ارتفعت، ومؤسسات تعمل دون الحد الأدنى. الرسالة المركزية واضحة: ليست أزمة سوء إدارة بل نتيجة قرار الاحتلال الاسرائيلي بتجفيف الموارد. هذا الخطاب مهم لأنه لا يجمّل الواقع، ويضع الرأي العام أمام حقيقة قاسية، لكنه يظل في إطار التفسير والتحذير أكثر مما ينتقل إلى إعادة تعريف النموذج المالي نفسه إذا استمر الحجز أو تصاعدت الضغوط.
في المقابل، خطاب المحامي صلاح موسى لا يكتفي بالتوصيف، بل يدعو إلى سلوك استثنائي بحجم الأزمة: إعلان حالة الطوارئ، تأميم المرافق، وقف سداد الديون، تجميد السفر، تخفيض رواتب القيادات، بيع الأصول، وإنشاء صندوق عالمي للرواتب. قوته تكمن في أنه يكسر منطق الاعتياد الإداري، ويطالب بعدالة تقشفية واضحة، ويرفض استمرار نمط الدولة "الطبيعية" تحت ظرف استثنائي. غير أن بعض مقترحاته، إن نُفذت حرفيا، قد تنقلنا من أزمة سيولة إلى أزمة نظام مالي ومصرفي شامل، وهو ما لا يحتمله المجتمع في هذه اللحظة.
الحقيقة أن كلا الخطابين يلتقيان في توصيف الخطر ويفترقان في منهج التعامل معه. الوزير يسعى إلى الاحتواء ومنع الذعر، وصلاح موسى يدفع نحو صدمة تعيد ترتيب الأولويات. ومن منظور استراتيجي، لا يكفي أحدهما وحده. المطلوب ليس إدارة عجز ولا قفزة في المجهول، بل مسارًا عمليا متدرجا يجمع بين الشجاعة والانضباط، وبين الإصلاح البنيوي والحفاظ على الاستقرار. ويمكن صياغة هذا المسار على النحو التالي:
1-إعلان حالة مالية استثنائية محصورة في القطاع العام، دون المساس بالقطاع الخاص أو ضرب الثقة الاستثمارية.
2-تقشف قيادي فوري وعلني يشمل تخفيض رواتب ومخصصات القيادات العليا، ووقف النثريات والامتيازات غير الضرورية وتجميد التعيينات الجديدة.
3-إعادة هيكلة الإنفاق العام عبر دمج المؤسسات المتكررة ووقف المشاريع غير ذات الأولوية، وتوجيه الموارد حصريا إلى الصحة والتعليم والأمن والخدمات الأساسية.
4-حماية الجهاز المصرفي كخط أحمر، وفتح حوار لإعادة جدولة مدروسة بدل اللجوء إلى قرارات شعبوية بوقف السداد.
5-تعزيز الإيرادات المحلية بعدالة صارمة عبر مكافحة التهرب والتهريب وضبط المعابر وتحويل الالتزام الضريبي إلى قيمة وطنية.
6-مراجعة العقود والتسويات السابقة بشفافية من خلال فريق قانوني-مالي مستقل لاسترداد أي أموال مهدورة.
7-تحريك مسار سياسي-دولي مكثف بشأن أموال المقاصة وربط الاستقرار المالي الفلسطيني بالاستقرار الإقليمي.
8-إنشاء آلية دعم طارئ مؤقتة للقطاعات الحيوية، تحت إشراف سيادي فلسطيني واضح يمنع تفريغ الخزينة من دورها المركزي.
9-إطلاق حوار وطني اقتصادي شامل لإعادة التفكير في نموذج اقتصادي أقل اعتمادا على المقاصة وأكثر قدرة على الصمود.
10-الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تعريف نموذج السلطة ليكون أخف كلفة، أعلى كفاءة، وأكثر عدالة في توزيع الأعباء.
بهذا التدرج يمكن الجمع بين تحذير الوزير ونداء الصدمة، دون الوقوع في فخ الإنكار أو المغامرة غير المحسوبة. الأزمة حقيقية ووجودية، لكن إدارتها تحتاج إلى شجاعة محسوبة لا إلى اندفاع غير مدروس، وإلى إصلاح بنيوي عميق لا إلى خطابات مؤقتة. عام 2026 لن يكون مجرد عام مالي صعب، بل لحظة فاصلة تُحدد إن كنا قادرين على التحول من إدارة الاعتماد إلى بناء نموذج صمود مستدام، أم سنبقى رهائن لدورة الأزمات ذاتها.