شهر رمضان في التحليلات الأمنية والإعلامية الإسرائيلية
يسارع الاحتلال إلى تبرئة نفسه تماماً من تبعات ما قد يجري خلال شهر رمضان، وذلك من خلال الادعاء بأنه يحافظ على ما يسميه الأمن وبين روتين رمضان، أي أن الاحتلال يدعي لنفسه قوة أخلاقية مضاعفة من خلال حفظ الأمن من جهة، وتوفير حرية العبادة من جهة أخرى، وتبرع تحليلات الاحتلال الأمنية والإعلامية بوصف وتحليل الحالة الفلسطينية الراهنة التي تتميز بالحصار والمصادرة والقتل والاعتقال والبطالة وغياب الأُفق السياسي، فضلاً عن الاقتحامات المتكررة وهجمات المستوطنين وغير ذلك من التفاصيل اليومية التي تجعل من حياة الفلسطينيين لا تطاق فعلاً، ولكنها تتجاوز كل ذلك كأسباب محتملة وحقيقية للرفض والاحتجاج لتقفز مباشرة لتقول إن أحد الأسباب الرئيسية لإمكانية اندلاع موجات رفض للاحتلال هي التحريض الداخلي والخارجي، أي إن هذه التحليلات لا تعطي أهمية كبيرة للوضع الكارثي في الضفة الغربية المحتلة، حيث كل شيء على وشك الانهيار فعلياً، ولا تركز إلا على التحريض المدّعى وعلى حساسية الشهر المبارك وإمكانية اشتعال مواجهة دينية، وهي فبركة مضحكة يستنيم إليها المحلل الإسرائيلي الأمني والإعلامي ليسوّق ذلك للصحافة الغربية.
التحليلات المشار إليها تُحذّر وتعظّم من شأن احتمالات المواجهة لتعطي نفسها كامل الذريعة لمزيد من الممارسات القمعية من إغلاقات واختناقات وتنكيل، ولتصوّر شهر رمضان شهر عنفٍ لا شهر عبادة وتبتّل، ولتهيئ الاجواء وتسممها.
لا تعترف هذه التحليلات، إلا في القليل النادر، أن إجراءات الاحتلال هي السبب الأول في زيادة كمية اليأس والاحباط والغضب، ولا تعترف هذه التحليلات أيضاً إلا في حالات نادرة أن ما يجري في أرجاء الضفة الغربية مشاهد لا يمكن تصوّرها، تتمثل في اقتلاع المواطنين من أراضيهم وهدم منازلهم والاستيلاء على مواشيهم وقطع طرقهم وأشجارهم وأرزاقهم، وتجفيف أحلامهم بحاضر ومستقبل يجدون فيه كرامتهم وإنسانيتهم.
هذه التحليلات تؤكد عادة أن إمكانية اندلاع احتجاجات شعبية ستواجه بخطط مُعدّة سلفاً، وذلك من خلال دفع أرتال الجنود والآليات العسكرية دون الحديث ولو للحظة عن إمكانية التفكير، مجرد التفكير بتسوية سياسية، هذه التحليلات تبدو برّاقة ولامعة وذكية على المستوى الميداني، ولكنها تخلو من الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، مما يدل على أن القيادة الإسرائيلية الحالية تفقد الاتجاه تماماً، فهي تتصرف وكأنها ملكت كل شيء وأنها تستطيع أن تفعل ما تريد.
تُصوّر التحليلات الإسرائيلية، الأمنية والإعلامية، الشعب الفلسطيني خلال شهر رمضان ليس باعتباره شعباً يملك طموحات قوية وإنسانية وطبيعية بقدر تصويره قطيعاً تحكمه العاطفة الجيّاشة والعنف المنفلت وخفة العقل، وأنه يُقاد بالمحرضين والدعاية القادمة من الخارج، وتتناسى هذه التحليلات التاريخ الطويل من الصراع الدائر على هذه الارض منذ مائة عام أو يزيد، عيب هذه التحليلات أنها فنية، تركز على إمكانية اندلاع العنف في شهر يعتبره المسلمون شهراً للهدوء والتدبّر والتأمل دون النظر إلى الشهور التي قبله أو التي بعده، لا تشير هذه التحليلات أبداً إلى ما يلمسه الفلسطيني على جلده وقلبه وعقله أن إجراءات الاحتلال في هذا الشهر بالذات هي ما يزيد الأمر سوءاً ومعاناة.
هذه التحليلات أخيراً تتعمد الهروب من الحقيقة وتختلق الوقائع كما تريد وترسم السيناريوهات بما يناسب رؤى قاصرة وقصيرة، وتبنى على اساس من اعتبار الشعب الفلسطيني مشكلة امنية لا يمكن التعايش معها إلا بأسلوب واحد ووحيد، وبالقدر الذي ندفع فيه ثمن هذا التصور، فإن الإسرائيليين أيضاً ينحدرون أكثر فأكثر في ثقب أسود من التآكل والتناقص ودفع الثمن، الاحتلال مكلف من الجهتين، ثقيل وباهظ للطرفين، ويُدمّر الجميع إن آجلا أو عاجلاً.