نقطة ضوء.. ابكوا كما تشاؤون… فقد ضاعتِ الأرض!
اكتملت اليوم جريمةُ تهجيرِ سكّانِ التجمّعاتِ البدويةِ الفلسطينية في البرج والميتة والمالح شرقَ مدينةِ طوباس؛ حيث جرى اقتلاعُ نحوِ 200 مواطن من 27 عائلة من خيامهم وبِراكِيّاتهم ومزارعهم ومراعيهم. لم يكن ما جرى اعتداءً عابرًا، بل تنفيذًا مباشرًا لخطةٍ استيطانية هدفت إلى تفريغِ الأرض من أهلها، تمهيدًا للاستيلاء عليها. حتى مدرسة المالح أُغلِقت قسرًا بعدما غادر طلبتُها مع عائلاتهم، في مشهدٍ يعيد إلى الذاكرة صورَ التغريبة الفلسطينية الأولى.
هذه الحادثةُ ليست طارئة، بل حسمٌ ميداني في واحدةٍ من أخطر ساحات الصراع على الأرض. شرقُ الأغوار هو خطُّ الضمّ الفعلي، ومن يُخرَج منه اليوم لن يُسمح له بالعودة غدًا. هؤلاء لم يُهجَّروا لأنهم بلا حقّ، بل لأنهم بلا غطاءٍ حكوميٍّ ووطنيٍّ ومجتمعيّ يحمي وجودهم في منطقةٍ يُقرَّر فيها مستقبلُ فلسطين الجغرافي.
في الأغوار تعمل دولةُ احتلالٍ كاملة: خرائط، تسجيلُ أراضٍ، تشريعاتُ «تسوية»، ميليشياتُ حماية، وجيش. بهذه الأدوات يتحوّل الفلسطيني من صاحب أرض إلى «متعدٍّ»، وتتحوّل الأرض إلى «أملاك دولة إسرائيلية». في المقابل، يقف النظامُ السياسيُّ الفلسطيني خارج ساحة الاشتباك: بلا خطط، ولا سيادة، ولا أدوات ردع، وبلا إرادة مواجهة، فيما تُسلَب الأرضُ قانونيًا قبل أن تُسلَب بالجرافة.
الأخطرُ من التهجيرِ نفسه هو الفراغُ الوطني الذي سمح بحدوثه: لا حالةَ طوارئ، ولا غرفةَ عمليات، ولا خطةَ حماية لمناطق الاحتكاك. تُرِك أهلُ المالح والبرج والميتة وحدهم في مواجهة دولة الاحتلال، بينما تُدار السياسةُ الفلسطينية كما لو أننا في زمنٍ طبيعي. هذا ليس تقصيرًا إداريًا، بل استقالةٌ سياسية تُترجَم اقتلاعًا على الأرض.
البلادُ تضيعُ أمام أعيننا، فعلًا لا قولًا. ماذا يُطلَب من الناس؟ كيف سيعيشون؟ إلى أين نمضي؟ آن الأوانُ لترتيب البيت الفلسطيني على قاعدةٍ واحدة: إدارةُ صراع، لا إدارةُ وقت ، قيادةَ طوارئ وطنية ، خارطة طريق ، ومشروعَ صمودٍ حقيقيًّا.
مدرسةُ التجمّعاتِ البدويةِ المُهجَّرة لم تعد مدرسة… تحوّلت إلى شاهدِ قبرٍ جماعي: مقاعدُ فارغة، دفاترُ صامتة، وجدرانٌ ما زالت تحفظُ أسماءَ أطفالٍ اقتُلِعوا قبل أن يكبروا. لا ضجيجَ تلاميذ، لا أسئلة، لا أحلام… فقط فراغٌ ثقيل يفضح جريمةَ التهجير.
المعلّماتُ يبكين بصوتٍ عالٍ، لا على مدرسةٍ أُغلِقت، بل على طفولةٍ سُرِقت، وعلى شعبٍ يُدفَع خارج أرضه كما يُرمى الجسدُ خارج الحياة. دموعُهنّ ليست ضعفًا، بل شهادةُ إدانة في وجه عالمٍ اختار الصمت.
ومن بين الركام يخرج صوتُ أحد المهجّرين، مكسورًا كبيته، حادًّا كالحقيقة: " تركنا وحدنا… لم يتعرّف علينا أحد. نواجه الموتَ والرعبَ كلَّ ساعة. لا نريد خطاباتٍ ولا بياناتِ شجب… نحن نُذبح من الوريد إلى الوريد"… هنا ، تُكتَب الحقيقة: التهجيرُ ليس رقمًا في تقرير، بل حياةٌ تُسحَب من جذورها، وطفولةٌ تُدفَن قبل أن تُولَد.