غزة وزفة الكذابين
قديماً، في الموروث الشعبي العربي، كثير من المصطلحات التي صنعتها مختبرات التجربة العملية للشعوب وقسوتها، ومنها مصطلح "كذابين الزفة"، وهو تعبير عن أولئك المطبلين والمزمرين الذين يستأجرهم العريس الغني، سيء السمعة والصيت والتاريخ، هو وعائلته، طالباً منهم، مقابل المال أو المصلحة، أن يرددوا أقوالاً وأغاني عن تاريخه وتاريخ عائلته المشرف والوطني والعظيم. وعادةً ما تكون الأكاذيب مفضوحة، ويرددها المنتفعون أو الجبناء الساعون وراء مصالحهم، أو حتى أولئك الذين يسعون لإتقاء شر العريس وعائلته، أو البسطاء الذين يرددون الأقوال خلفهم مع علمهم بالحقيقة، إلا أنهم يفعلون ذلك إمّا لاتقاء الشر، أو للانتفاع بالعشاء، أو للاستمتاع بوقت الغناء، وليس أكثر.
المصيبة في اجتماع مجلس السلام أنّ الأمر لم يكن مؤتمراً جلب أصحابه بضعة كذابين للزينة والإعلام والترويج، بل إن صاحب العرس قرر جمع كل الكذابين من كل حدب وصوب، لكي لا ينغص عليهم أحد قد يصحو ضميره فجأة ويقول الحقيقة في لحظة لا أحد من الحضور يريد سماعها. وهو ما كان عليه اجتماع مجلس السلام في واشنطن برئاسة شيخ الكذابين دونالد ج. ترامب.
في خطابه، قال في المقدمة كلاماً كثيراً لا معنى له على الإطلاق، فقد شتم البعض، وجامل البعض، وكذب بلا حدود، مدركاً أن الحضور يعرفون ذلك لكنهم لا يستطيعون إلا أن يصفقوا له أو يصمتوا في أحسن الأحوال. ويكفي أن نقرأ شكليات الاجتماع لنرى أنّ ترامب يؤسس لمؤسسة أمريكية تقود العالم، وليس لمؤسسة عالمية تقودها أمريكا:
العلم الوحيد الموجود في القاعة هو العلم الأمريكي.
في الصورة التذكارية ظهر أركانه في المقدمة ملاصقين له، بينما اصطف قادة أهم منهم بكثير بعدهم أو خلفهم.
أكثر من مرة طلب من البعض ومن رؤساء الوفود الوقوف.
تحدث عن نفسه أكثر من أي قضية أخرى.
أعطى الآخرين علامات رسوب ونجاح.
هدد بعض أركانه بعقوبات إن فشلوا.
تعامل مع قضايا أمريكا المحلية وقضايا العالم في الوقت ذاته، وكأن شؤون العالم هي شؤون أمريكية داخلية.
في أكثر من حالة، أشار إلى أن التهديد للآخرين جعلهم يخضعون ويقبلون عروضه، كما حدث مع الهند وباكستان.
قال عن عضوية مجلس السلام إنه لا يريد بعض الدول فيه، وكأنه من يقرر مستقبل المجلس، رغم أن الميثاق لا يمنحه هذا الحق.
تحدث بحماقة وبلغة حسد سوقية عن ثروات البعض، كما كان الحال مع ملك البحرين.
منح وقتاً كبيراً من خطابه للحديث عن القاعة، وزواج نائبه، وذكاء صهرة، ولطافة شريكه العقاري، ولم يغب عن مديح السيدة الأولى.
أما فيما يخص الجوانب السياسية ومستقبل القضية الفلسطينية، وغزة تحديداً، فقد واصل لعبته في مسار التيه الذي يقود الجميع إليه، لكن المخاطر ظهرت فيما يلي:
رئيس اللجنة الوطنية ظهر كعضو في لجنة العمل، وبدون إشارة للجهة التي يمثلها، بعكس ما كان عليه الحال مع وزير خارجية إسرائيل، وهو ما يعني إلغاء مطلق للقضية الفلسطينية.
لم يأت ولو لمرة واحدة على ذكر اسم فلسطين أو الشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية، واكتفى بذكر غزة، وحتى المشاركين الذين ذكروا فلسطين ساووا بينها وبين المعتدي والمجرم، ولم يأتوا على ذكر الجريمة.
خلت لغة خطابه وخطابات أركانه من أي ذكر للجريمة في غزة، بل وصف البعض المقاومة بالإرهابية وأنها سبب معاناة الناس في غزة.
كان هناك تجاهل تام لكل المعاناة المتواصلة للشعب الفلسطيني في غزة أولا، وفي الضفة، ولم يأت أحد على ذكر الجرائم الإسرائيلية.
لم يقدم أبداً إجابات واضحة أو خططاً محددة بشأن القضايا الأساسية، كقوة الاستقرار، والإعمار، ووقف النار الحقيقي، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وتنفيذ البروتوكول الإنساني، تاركاً كل شيء معلقاً، بما يزيد المعاناة في غزة ويبدو أن المطلوب تعميقها لتحقيق هدف التخلص من الناس دون إعلان.
تحدث بلغة وعيد وتهديد عن ضرورة التزام حماس بتعهداتها، ولم يأت على ذكر تعهداته أو تعهدات إسرائيل، خصوصاً وقف إطلاق النار.
إعداد رجال الجيش والشرطة في غزة برئاسة أمريكية مسبقة يشير إلى احتلال أمريكي بجنود آخرين.
الإدارة التنفيذية بجميع أعضائها تدلّ على أنّ القرار أمريكي والإدارة أمريكية، وأن الشركاء الوحيدين هم إسرائيل ومن يتحالف معها فقط.
زفة الكذابين هذه غيبت فلسطين بالكامل وقدمت عرضاً حقيقياً للمخطط الساعي إلى إطالة أمد المتاهة، وتعميق معاناة غزة، وصرف الأنظار عن تهويد الضفة وضمها، طريقاً لإفراغ غزة من سكانها وبنيانها، وتحويلها إلى أرض أمريكية لقيادة حروب الأرض، خصوصاً في العالم القديم. وعلى الواهمين بسلام "ترامياهو" أن يفركوا عيونهم وعقولهم جيداً.