الاستعمار الخفي: من صمّم تعليم أطفالنا؟ ولماذا يمثل التعليم ساحة الصراع الأخطر.

2026-02-22 09:27:24

جذبني مؤخرًا فيديو كان قد أرسله لي صديقي د.عبدالمنعم مشكورًا بعنوان: "الاستعمار الخفي: من صمّم تعليم أطفالنا؟"، وهو ليس مجرد مادة إعلامية عابرة، بل طرح فكري عميق يعيد فتح واحد من أخطر الأسئلة التي تواجه مجتمعاتنا، وخاصة المجتمع الفلسطيني: هل التعليم الذي نتلقاه صُمّم ليحررنا، أم صُمّم - تاريخيا وبنيويا - ليجعلنا أكثر قابلية للتكيف مع واقع مفروض علينا؟ هذا السؤال ليس فلسفيا فقط، بل سيادي بامتياز، لأن التعليم لا يشكّل ما يعرفه الإنسان فحسب، بل يحدد كيف يفكر، وكيف يرى نفسه، وما الذي يعتقد أنه ممكن أو مستحيل؟
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن نظام التعليم الحديث لم ينشأ في فراغ، بل تطور في سياق الدولة الحديثة، وخاصة خلال الحقبة الاستعمارية، حيث احتاجت القوى الاستعمارية إلى إدارة المجتمعات التي سيطرت عليها بكفاءة واستقرار. لم يكن الهدف إنتاج مفكرين أحرار بقدر ما كان إنتاج أفراد منضبطين، قادرين على القراءة والكتابة والعمل ضمن منظومة إدارية تخدم النظام القائم. ولهذا ركزت المناهج على الطاعة والانضباط والتلقين، بدل تعزيز التفكير النقدي والاستقلال الفكري. كان التعليم، في جوهره، أداة لتنظيم المجتمع وضبطه، قبل أن يكون أداة لتحريره.
ومن هنا يمكن فهم لماذا صُممت المدرسة الحديثة بطريقة تشبه المصنع أكثر مما تشبه فضاءً حرًا للتفكير. صفوف منظمة حسب العمر، جداول زمنية صارمة، امتحانات معيارية موحدة، وتقييم يقيس قدرة الطالب على التكرار أكثر مما يقيس قدرته على الفهم أو التحليل. هذه البنية لم تكن مجرد خيار تربوي، بل كانت انعكاسا لحاجة النظام إلى إنتاج أفراد متشابهين، يمكن إدماجهم بسهولة في سوق العمل وفي البنية الإدارية القائمة. النتيجة لم تكن فقط تنظيم العملية التعليمية، بل تشكيل نموذج معين من الإنسان: إنسان قادر على الامتثال، أكثر من كونه قادرًا على التساؤل والتغيير.
الأخطر أن الاستعمار، حتى عندما انتهى بشكله العسكري المباشر في كثير من دول العالم، لم ينتهِ بوصفه منظومة تأثير. لقد استمر عبر التعليم نفسه، من خلال المناهج المستوردة، والنماذج التعليمية المنقولة، والمعايير التي صيغت خارج السياق المحلي، والمؤسسات التي تحدد ما هو "التعليم الجيد" وما هو "النجاح". 
بهذا المعنى، تم استبدال السيطرة العسكرية بسيطرة معرفية وثقافية أكثر عمقًا وأقل وضوحًا. لم يعد من الضروري السيطرة على الأرض بالكامل، إذا أمكن التأثير على كيفية تفكير الإنسان الذي يعيش عليها.
وهنا تكمن الوظيفة الأخطر للتعليم: أنه لا ينقل المعرفة فقط، بل يشكّل الوعي ذاته. إنه يحدد كيف يرى الطالب نفسه، وما الذي يتوقعه من مستقبله، وما إذا كان يرى نفسه فاعلًا قادرًا على التغيير، أم مجرد فرد يسعى للتكيف مع الواقع. عندما يكافأ الطالب على الحفظ والتكرار، ويُعاقب ضمنيا على التساؤل والنقد، فإن النظام التعليمي لا ينتج فقط طلابًا ناجحين في الامتحانات، بل ينتج أفرادًا مهيئين للامتثال، لا للمساءلة.
في الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا السؤال بعدًا أكثر خطورة وتعقيدًا. فنحن لا نعيش فقط في ظل نظام تعليمي حديث، بل في ظل احتلال يدرك جيدًا أن السيطرة الحقيقية لا تكتمل دون محاولة التأثير على الوعي. لم يكن استهداف المدارس والجامعات الفلسطينية عبر التاريخ مجرد إجراءات أمنية، بل كان تعبيرًا عن إدراك عميق بأن التعليم يمثل أحد أهم مصادر القوة المجتمعية. فالجامعة ليست مجرد مكان للتعلم، بل فضاء لإنتاج الأفكار، والمدرسة ليست مجرد مؤسسة خدمية، بل نقطة البداية في تشكيل الإنسان الفلسطيني.
ورغم كل القيود، أثبتت التجربة الفلسطينية أن التعليم يمكن أن يتحول من أداة ضبط إلى أداة مقاومة. خلال الانتفاضة الأولى، حين أغلقت قوات الاحتلال المدارس والجامعات، لم يتوقف التعليم، بل انتقل إلى البيوت والمساجد والمراكز المجتمعية. لم يكن ذلك مجرد حل اضطراري، بل كان تعبيرًا عن وعي جمعي بأن التعليم ليس رفاهية، بل شرط وجود. لقد فهم الفلسطيني أن معركته ليست فقط على الأرض، بل على الوعي الذي يحدد مستقبل هذه الأرض.
لكن التحدي اليوم لم يعد فقط في القدرة على الوصول إلى التعليم، بل في طبيعة التعليم نفسه. هل هو تعليم يعزز التفكير النقدي والاستقلال، أم تعليم يعيد إنتاج الامتثال؟ هل هو تعليم مرتبط بحاجات المجتمع وتطلعاته، أم تعليم يعيد إنتاج نماذج مستوردة دون مساءلة؟ إن التحرر الحقيقي لا يبدأ فقط بإنهاء السيطرة العسكرية، بل يبدأ بتحرير النظام التعليمي نفسه، بحيث يصبح قادرًا على إنتاج المعرفة، لا مجرد استهلاكها، وعلى بناء الإنسان القادر على الفهم والتحليل، لا مجرد التكيف.
إن أخطر أشكال الاستعمار ليست تلك التي تُرى بالعين المجردة، بل تلك التي تعمل بصمت داخل العقول، فتحدد حدود التفكير دون أن يشعر الإنسان بذلك. ولهذا فإن التعليم، في السياق الفلسطيني، ليس قطاعًا خدميا فقط، بل هو مسألة سيادة وطنية بامتياز. فالشعب الذي يملك القدرة على تشكيل وعي أجياله، يملك القدرة على تشكيل مستقبله. أما الشعب الذي يُعاد تشكيل وعيه وفق نماذج مفروضة، فإنه يخاطر بفقدان السيطرة على مسار تطوره، حتى وإن امتلك كل مظاهر التعليم الحديثة.
في نهاية المطاف، المعركة الحقيقية ليست فقط على ما يتعلمه الطالب، بل على كيف يفكر، ولماذا يفكر بهذه الطريقة. فالتعليم إما أن يكون أداة لتحرير الإنسان، أو أداة لإعادة تشكيله بما يخدم واقعًا مفروضًا عليه. وبين هذين الخيارين، يتحدد ليس فقط مستقبل الطالب، بل مستقبل الوطن بأكمله.