تصدّع النظام الدولي بين تحولات القوة وأزمة القواعد
اختتمت قمة ميونيخ للأمن أعمال دورتها الثانية والستين الأسبوع الماضي، وقد أثارت هذه الدورة، على غير العادة، انتقادات واسعة للدور الأمريكي المهيمن في النظام الدولي. فقد أشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى أن النظام العالمي التقليدي لم يعد قائماً كما كان في الماضي، داعياً إلى إعادة بناء الثقة عبر الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة في ظل بيئة جيوسياسية جديدة. واعتبر أن أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة وحدها في ظل الصراعات الكبرى.
وفي السياق ذاته، كرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فكرة "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، معتبراً أن أوروبا لا يمكن أن تبقى معتمدة كلياً على المظلة الأمريكية. ومن جانبه، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن الصين ستظل قوة داعمة للسلام، مشيراً إلى رغبتها في إصلاح النظام الدولي بما يعزز العدالة والاستقرار بدلاً من الانقسام. وأضاف أن الصين وأوروبا شريكان في عالم متعدد الأقطاب، لا متنافسان، مع التشديد على أهمية الحوار والتعاون بدلاً من بناء تحالفات تُقسّم العالم. في المقابل، أكدت الولايات المتحدة على رغبتها في قيادة النظام الدولي دون استخدام مصطلح "الهيمنة". وقد عبّرت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن إدراك بلاده بأن النظام الدولي يحتاج إلى تعديل، لكنها تريد أن يتم ذلك وفق رؤيتها وشروطها.
في ظل هذه الجدليات، تظهر التناقضات في الرؤى الدولية حول النظام الدولي الحالي، بما يشير إلى حالة تصدّع في قواعده، وتنافس حاد بين الأقطاب الرئيسية المكوّنة له، كما هو الحال في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، أو في الصراعات المسلحة التي تدور بين قوى كبرى كما في الحرب الروسية الأوكرانية. وفي أحيان أخرى، تبدو القيادة الأمريكية للنظام أقرب إلى شكل من أشكال الهيمنة، وهو ما يثير تحفظات حتى لدى بعض الحلفاء الغربيين. في المحصلة، يبدو أن هناك اعترافاً ضمنياً من كبار القادة بأن النظام العالمي التقليدي — القائم على المؤسسات متعددة الأطراف والتحالفات القديمة — لم يعد كما كان، وأن ثمة انقسامات حتى داخل القوى الغربية بشأن قيم وأولويات النظام الدولي الجديد، في ظل تصاعد أصوات من خارج الغرب تطالب بإعادة تعريف قواعده. وفي الحقيقة، فإن الجدل حول تصدّع النظام الدولي ليس جديداً؛ فقد ظهر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كما تجدد بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ويبرز اليوم مع اشتعال مناطق عدة بحروب مدمرة، سواءً في أوكرانيا أو في الشرق الأوسط.
ومن خلال هذا الجدل تتضح الإشكالية بين مفهوم النظام الدولي بوصفه System يعكس توزيع القوة (القطبية) بين القوى الكبرى، وبين النظام بوصفه Order أي مجموعة القواعد والمؤسسات الناظمة للعلاقات الدولية. فالنظام كـ System يعكس نمط توزيع القوة بين القوى الكبرى، والتي تشمل اليوم على: الولايات المتحدة والصين وأوروبا واليابان ، وهو ما يشير إلى تعددية قطبية. أما النظام كـ Order فيعكس نمط القيادة، إضافة إلى شبكة المؤسسات الدولية وقواعد عملها، مثل الأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، والتحالفات الاقتصادية والسياسية.
وعند تطبيق هذا التمييز على الجدل الراهن، يمكن القول إن التصدّع لم يمسّ النظام كـ System بقدر ما طال قواعد العمل كـ Order، ولا سيما في ما يتعلق بطريقة قيادة الولايات المتحدة للنظام، وسعيها إلى تعزيز موقعها من خلال ممارسات أقرب إلى الهيمنة. ويظهر ذلك في مواقف تتعلق بقضايا مثل غرينلاند أو في الضغوط على بعض المؤسسات الدولية. كما أن مؤسسات النظام الدولي التقليدية لم تعد قادرة على إدارة الأزمات بكفاءة، ويعود ذلك جزئياً إلى التنافس بين القوى الكبرى، وإلى تعطيل آليات العمل داخل هذه المؤسسات نتيجة تضارب المصالح. ويعكس هذا الوضع قلقاً متزايداً لدى قوى كبرى، كالصين وبعض الدول الأوروبية، من أن قواعد النظام الدولي باتت تميل لمصلحة الولايات المتحدة دون غيرها، وهو ما يعني تصدّع النظام كـ Order لا انهياره كـ System.
إن هذا التصدّع يرتبط أيضًا برغبة الإدارة الأمريكية في تحصيل "ثمن أكبر" مقابل قيادتها للنظام الدولي، بحكم امتلاكها قدرات عسكرية واقتصادية ضخمة، في حين لم تعد الأقطاب الأخرى راغبة في دفع كلفة إضافية. لذلك نشهد تنافساً على تأسيس أطر ومؤسسات بديلة أو موازية، مثل بريكس، إلى جانب تحولات في طبيعة التنافس من الاقتصاد والشراكة إلى قضايا أكثر حساسية، مثل الأمن الاستراتيجي، وضبط الردع، وأمن سلاسل التوريد، والصراع على الموارد والمعادن النادرة.
وتنعكس هذه التحولات على دول العالم الثالث، بما فيها فلسطين، في عدة مظاهر، من أبرزها:
1. ضعف فاعلية مؤسسات القانون الدولي التي تستند إليها هذه الدول في صراعاتها الإقليمية والدولية.
2. تزايد تغوّل الدول الكبرى على مصالح الدول الضعيفة، خاصة في مجالات الموارد والأسواق.
3. تعرّض دول العالم الثالث لضغوط خارجية وتجاذبات إقليمية، وربما لتدخلات مباشرة أو غير مباشرة.
4. تراجع جدوى الاعتماد على التوازنات الدولية التقليدية في حماية المصالح الوطنية.
5. تحوّل الصراعات الداخلية إلى فراغات مؤسسية قد تُملأ بتأثيرات خارجية أو تُستخدم أوراق ضغط في صراعات أوسع بين القوى الكبرى.
وبالنسبة للحالة الفلسطينية، فإن تصدّع قواعد النظام الدولي يزيد من صعوبة الرهان على المؤسسات الدولية وحدها، في ظل اختلال موازين القوة واستمرار الاحتلال. وعليه، يمكن تقديم التوصيات الآتية:
أولاً: تجنّب الانخراط في صراعات مباشرة مع القوى الكبرى، خاصة في ظل تراجع فاعلية التوازنات الدولية التقليدية.
ثانياً: تنويع العلاقات الدولية وتطويرها مع مختلف القوى الكبرى، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بما يعزز هامش المناورة الاستراتيجية.
ثالثاً: عدم الاعتماد على قواعد القانون الدولي في تسوية النزاعات لوحدها، حيث انها لم تعد كافية ويجب الاعتماد أكثر على تحسين مكانة الدولة الفلسطينية وتنظيم علاقاتها الاقليمية والدولية وتعزيز التبادل التقني والتجاري مع الأطراف الاقليمية والدولية. .
رابعاً: الإسراع في إنجاز الوحدة الوطنية وتمتينها، لأن النظام الدولي القائم سيشغل الفراغات الاستراتيجية، وستأتي قوى عظمى لملء هذه الفراغات، تماماً كما يحدث الآن في قطاع غزة.
خامساً: الإسراع في خطوات إصلاح ومأسسة النظام السياسي الفلسطيني، من أجل تمتين الجبهة الداخلية وتعزيز مكانة النظام في النظام السياسي الدولي، وكذلك لمنع المواجهة بين النظام الدولي والأنظمة الفرعية الوطنية.
سادساً: تحويل العلاقات مع مكونات النظام الدولي إلى علاقات قائمة على الكسب المشترك، بحيث يصبح جميع الفاعلين في هذا النظام بحاجة إلى النظام السياسي الفلسطيني، لا أن يكتفوا بالتعاطف معه فقط.