القنصلية في المستعمرة!

2026-02-26 09:36:35


يستلهم العنوان روحه من الفيلم المصري "السفارة في العمارة"، إذ يروي قصة المهندس الذي وجد نفسه يسكن في ذات البناية التي تضم السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، وما نجم عن ذلك من معاناةٍ كابدها بسبب الإجراءات الأمنية. لكن "الفيلم" في فلسطين يأخذ أبعاداً تتجاوز المضايقات اليومية، لتصل إلى حد التهديد الوجودي، فالمعاناة هنا ليست من "جيرة" السفارة ، بل من "سرقة" العمارة وتحويلها إلى مكتبٍ رسميّ يُشرعن السرقة، ويُقدّم الرخصة للسارق.

لم تكتفِ إدارة ترمب في ولايته الأولى بنقل السفارة إلى القدس المحتلة، وإغلاق القنصلية الأمريكية التي كانت جسر تواصلٍ مع الفلسطينيين، بل ذهبت إلى قفزةٍ عريضةٍ أُخرى باعتزامها فتح مكتب في مستوطنة "إفرات" لتقديم الخدمات القنصلية للمستعمرين الطارئين على "أرض البرتقال الحزين". هذا الإجراء ليس مجرد تسهيل إداري كما تقول السفارة في بيانها، بل هو "ضم ناعم"  وتشريع أمريكي للاستيطان، وتحويل الحقيبة الدبلوماسية إلى "جرافة" تهدم ما تبقى من أمل في العدالة الدولية.

لا يبتعد هذا الإجراء، المنافي للقوانين الدولية وللقرار (2334)، عن العقيدة التي يعتنقها التيار المسيحي المتصهين في الولايات المتحدة، الذي ينحدر منه السفير "مايكل هاكابي"؛ الرجل الذي انتدب نفسه وكيلاً للسماء لتنفيذ ما يدّعي أنه وعد الله الذي يجيز لإسرائيل توسيع حدودها من النيل إلى الفرات. فالقس الإنجليكاني يرعى مطامح إسرائيل أكثر من رعايته مصالح بلاده.

في "فيلمنا" الفلسطيني لا توجد كوميديا، بل أرضٌ تُسرق مرتين: مرةً بالجرافة التي تهدم المنازل في القرى وتُشرّد البدو من مضاربهم، وأُخرى بختم القنصلية.