خصوصية شهر رمضان روحانيا واجتماعيا
يأتي شهر رمضان المبارك هذا العام، بينما ترزح منطقة الشرق الأوسط تحت وطأة الحرب الإقليمية بين المثلث (الأمريكي – الإسرائيلي – الإيراني)، مما جعلت من سماء الضفة الغربية ممراً للصواريخ الإيرانية نحو إسرائيل. وفي هذا المشهد، قد يرى البعض في توقيت الحرب عبئاً، لكنني أزعم أنه من لُطف الأقدار – إن جاز التعبير – أن تندلع هذه الحرب في شهرٍ فضيل؛ فربما كان رمضان هو صمام الأمان الروحاني الذي نحتاجه اليوم، لتحويل طاقات الغضب والخوف والقلق إلى طاقة صمود قوامها الرحمة والمودة والتسامح.
فرمضان ليس مجرد شعائر، وإنما حالة مكثفة من "المشاعر الجماعية" التي تتقاطع فيها الروحانية بضجيج الواقع الصعب، مما يضعنا أمام سؤالٍ جوهري: كيف نحمي قدسية هذا الشهر من الانزلاق نحو الانفجار؟
إن المساجد التي تفيض بالمصلين كعادتها في هذا الشهر، يجب أن تتحول إلى منصات لإلهام القوة الاجتماعية والروحية، لا سيما في ظل تداعيات الحرب الراهنة. وبات مطلوبا اليوم "وحدة خطاب" دينية وسياسية تضع نصب أعينها هدفاً واحداً: مساندة المواطن وإعانته على مواجهة هذه الظروف القاسية بشكل صحي وسلمي.
إن الحكمة هنا تقتضي من القيادات الدينية والمجتمعية أن يكون خطابها "بلسماً" يركز على قيم الصبر وضبط النفس كأدوات بقاء. قد يخرج علينا من يقول: "كفانا حديثاً عن الصبر والسلوان في وقتٍ يحتاج فيه الناس إلى الفعل"، وأنا أشاطرهم الرأي تماماً؛ فدور الخطباء ورجال الدين اليوم ليس توزيع الابتسامات والوعظ التقليدي الممل، فالمطلوب اليوم هو "خطاب الأزمة" الذي يلامس أوجاع الناس بصدق ويوجه بوصلتهم نحو التلاحم.
لكن المسؤولية لا تقع على عاتق "المنبر" وحده، بل على "المتلقي" أيضاً؛ فعلى المواطن أن يكون "واعظ نفسه"، يمتلك ذكاء الاختيار فيما يسمع وفيما يتجاهل، خاصة وسط عالم يموج بخطابات الكراهية والتحريض.
ولعل مسألة التصدي للشائعات التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بسرعة البرق، والرد عليها بالحقائق والهدوء، هو أسمى أنواع الجهاد المجتمعي في هذه المرحلة. ولعل استكمال الأيام المتبقية من الشهر في أجواء دينية آمنة تقع على عاتق المجتمع ككل؛ وعلينا أن نتكاتف لنعزل تلك الأصوات التي تدعو المواطن لأن "يستشيط غضباً" دون أفق، ونستبدلها بقصص التعايش والتكافل التي يزخر بها شارعنا الفلسطيني.
إن موازين القوى الدولية وتجاذبات الإقليم وانعكاسات الحرب جعلت "المزاج العام" في فلسطين مخزناً للبارود ينتظر أصغر شرارة. وهو ما يفرض علينا أفراداً ومؤسسات وعياً سياسياً يقطع الطريق على كل من يحاول توظيف آلامنا لتحقيق مآرب لا تخدم قضيتنا ولا إنساننا.
ومن الغريب حقاً، أن هناك أطرافاً لا تزال تعتقد أن السيطرة على المزاج العام ممكنة عبر بيانات الشجب والاستنكار، بينما الميدان يتحدث لغة الحرب والمواجهة المفتوحة.
رمضان في جوهره، هو شهر "الانتصار على الذات" قبل كل شيء. وإن أكبر انتصار يمكن أن نحققه في هذه الظروف، هو العبور بهذا الشهر الفضيل نحو شاطئ الأمان، محتفظين بروحانيتنا العالية، و بوحدتنا المجتمعية، وبحذرنا الواعي من كل ما قد يربك استقرارنا الهش.
إن وعينا الوطني يجب أن يسبق عاطفتنا الدينية الجياشة ؛ فالدين الذي جاء لحماية النفس والروح، لا ينبغي أن يصبح مطية أو جسر عبور لمن يريدون حرق المراحل أو تفجير الساحات بالوكالة من وراء البحار.