فلسطين في زمن الصورة
لم يعد الإعلام المعاصر يكتفي بنقل الخبر أو توثيق الحدث، بل أصبح فضاءً لصناعة المعنى وتشكيل الوعي الجماهيري. وإذا كان هدف وسائل الإعلام تاريخيًا تحقيق أكبر نسب من المشاهدة والتأثير، فإن الصورة اليوم أصبحت الأداة الأكثر فاعلية في هذا المسعى، لأنها تختصر الواقع وتعيد إنتاجه في لحظة بصرية خاطفة. وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، لم تعد الصورة مجرد وسيلة إعلامية، بل تحولت إلى ساحة صراع حقيقية على الرواية والذاكرة والوعي.
لقد أدركت المدرسة النقدية في دراسات الإعلام، منذ أعمال إرفن بانوفسكي في علم الأيقونات، وصولًا إلى تحليلات روجيه دوبري في فلسفة الوسائط، أن الصورة ليست محايدة، بل هي نتاج منظومة ثقافية وسياسية واقتصادية تتحكم في إنتاجها وتداولها. وفي فلسطين، حيث يتقاطع السياسي بالإنساني والتاريخي، تتخذ الصورة وظيفة مضاعفة؛ فهي من جهة وثيقة توثيقية لما يجري على الأرض، ومن جهة أخرى أداة لصياغة السردية التي تصل إلى العالم.
مع تطور الوسائط الرقمية وانتشار الهواتف الذكية، لم يعد الفلسطيني مجرد موضوع للصورة، بل أصبح منتجًا لها وفاعلًا في نشرها. فكل هاتف محمول في يد شاب فلسطيني قد يتحول إلى كاميرا توثق اقتحامًا عسكريًا، أو اعتداءً على المدنيين، أو لحظة مقاومة في شارع أو مخيم. وهكذا انتقلت الصورة الفلسطينية من احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى فضاء رقمي مفتوح، حيث يشارك المواطن العادي في إنتاج الرواية البصرية للصراع.
غير أن هذا الاتساع في إنتاج الصور لا يعني بالضرورة تحررها من السيطرة. فالصورة، كما يشير منظرو الإعلام، تخضع دائمًا لمنظومة من المصالح والسلطات. وفي زمن الخوارزميات الرقمية، أصبحت شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي جزءًا من بنية القوة التي تتحكم في انتشار الصور أو حجبها. ولذلك كثيرًا ما تتعرض الصور القادمة من فلسطين إلى التقييد أو الحذف أو إعادة التأطير، بما ينسجم مع توازنات السياسة والإعلام في النظام الدولي.
ومن هنا يمكن فهم الصراع الدائر حول الصورة بوصفه امتدادًا للصراع السياسي نفسه. فكل صورة لطفل تحت الأنقاض في غزة، أو لامرأة تقف أمام منزلها المهدّم، أو لشاب أعزل يواجه جنديًا مدججًا بالسلاح، لا تُقرأ فقط بوصفها حدثًا بصريًا، بل تتحول إلى عنصر في معركة الروايات. فهناك من يسعى إلى تقديمها كدليل على مأساة إنسانية ناجمة عن الاحتلال، وهناك من يحاول تفكيكها أو التشكيك فيها أو إخراجها من سياقها.
لكن الصورة لا تؤثر فقط في الخارج، بل تلعب دورًا مهمًا داخل المجتمع الفلسطيني نفسه. فالتعرض اليومي لفيض هائل من الصور المرتبطة بالحرب والدمار والمعاناة يخلق نوعًا من التوتر النفسي المركب؛ إذ يمكن لهذه الصور أن تعزز التضامن والوعي الجماعي، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى حالة من الاعتياد على المأساة. وحين تتحول صور الألم إلى جزء متكرر من الحياة اليومية، فإنها تصبح عنصرًا من عناصر تشكيل الوعي الجمعي، بل جزءًا من الذاكرة الوطنية نفسها.
وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن ثقافة بصرية فلسطينية تتشكل تدريجيًا في ظل الاحتلال والحرب. فالصورة لم تعد مجرد تسجيل للحظة، بل أصبحت وسيلة لبناء الهوية وتوثيق الذاكرة. صور القرى المهدمة، والبيوت التي دمرت في الحروب، والمواجهات اليومية في الشوارع، كلها تتحول مع مرور الزمن إلى رموز بصرية تختزن تاريخًا كاملًا من الصراع والصمود.
غير أن خطورة الصورة تكمن أيضًا في قابليتها للتحول إلى أداة للدعاية والتلاعب. فكما يمكن للصورة أن تكشف الحقيقة، يمكن استخدامها أيضًا لصناعة الأساطير أو تضليل الرأي العام. وقد شهدت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة العديد من الحالات التي جرى فيها تداول صور خارج سياقها الحقيقي، أو استخدامها في معارك إعلامية لا علاقة لها بالحدث الأصلي. وهذا ما يؤكد أن الصورة، رغم قوتها التأثيرية، تحتاج دائمًا إلى قراءة نقدية واعية.
إن ما يحدث في فلسطين اليوم لا يمكن فصله عن هذا التحول العالمي في ثقافة الصورة. فالصراع لم يعد يدور فقط على الأرض أو في موازين القوة العسكرية، بل أيضًا في الفضاء الإعلامي والرقمي. وهنا تصبح الكاميرا، مثلها مثل أي أداة سياسية، جزءًا من معركة أوسع على الوعي والمعنى.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة قادرة على اختزال العالم في شاشة هاتف، تبدو فلسطين مثالًا واضحًا على قوة الوسيط البصري في تشكيل الذاكرة والتاريخ. فالصورة الفلسطينية ليست مجرد لقطة عابرة، بل شهادة على واقع معقد، ووسيلة للدفاع عن الحقيقة، وأحيانًا صرخة إنسانية تعبر الحدود وتخاطب ضمير العالم.
أما ما هو مطلوب اليوم، فلا يقتصر على توثيق الصور أو نشرها فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى بناء وعي فلسطيني وعربي بقدرة الصورة على تشكيل الرواية والتأثير في الرأي العام العالمي. المطلوب هو الانتقال من رد الفعل العفوي إلى الفعل الإعلامي المنظم؛ عبر إنتاج صور مهنية وموثقة، وتطوير مؤسسات قادرة على قراءة الصورة وتحليلها وتوظيفها ضمن خطاب إعلامي متماسك يخاطب العالم بلغة يفهمها. فمعركة فلسطين في عصرنا لم تعد فقط معركة الأرض والحقوق، بل أصبحت أيضًا معركة الوعي والرواية، والصورة فيها ليست مجرد توثيق للواقع، بل سلاح معرفي وأخلاقي للدفاع عن الحقيقة.