الصورة وحدها لا تنتصر: قراءة نقدية في وهم المعركة البصرية الفلسطينية

2026-03-14 22:54:29

في مقاله المعنون «فلسطين في زمن الصورة» يلفت الكاتب رامي مهداوي الانتباه إلى قضية بالغة الأهمية في الصراع الفلسطيني المعاصر: الدور المتزايد للصورة في تشكيل الرواية الإعلامية والتأثير في الوعي العالمي. ويُحسب للمقال أنه يضع الإصبع على تحول جوهري في طبيعة الإعلام المعاصر، حيث لم تعد الصورة مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في صناعة المعنى وتشكيل الإدراك الجماهيري. كما ينجح المقال في إبراز التحول الذي جعل الفلسطيني نفسه منتجًا للصورة بعد أن كان موضوعًا لها، خاصة في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

هذه الملاحظات ليست تفصيلية، بل تمس جوهر التحول الإعلامي الذي يشهده العالم، حيث أصبحت المعارك السياسية تُخاض أيضًا في الفضاء الرقمي، وأصبحت الصورة جزءًا من معركة الرواية. غير أن أهمية هذا الطرح لا تعني أنه مكتمل، بل ربما تكمن قيمته الحقيقية في أنه يفتح بابًا لنقاش أعمق حول حدود القوة الفعلية للصورة في الصراع الفلسطيني.

فالمشكلة الأولى في الخطاب الذي يركز على الصورة تكمن في أنه يقع أحيانًا في ما يمكن تسميته وهم القوة البصرية ، أي الاعتقاد بأن نشر الصورة بحد ذاته قادر على تغيير موازين الرواية أو التأثير الحاسم في الرأي العام العالمي. هذا التصور يبدو جذابًا، لكنه يتجاهل حقيقة أساسية في علم الإعلام السياسي: الصورة لا تنتج معناها بذاتها، بل ضمن إطار تفسيري تتحكم فيه منظومة إعلامية وثقافية وسياسية معقدة.

ففي النظام الإعلامي العالمي، لا تنتقل الصورة إلى الجمهور في حالتها الخام، بل تمر عبر طبقات متعددة من التأطير والتحرير والتفسير. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: ليست المعركة حول الصورة وحدها، بل حول الإطار الذي تُقرأ من خلاله الصورة. فقد تُظهر الصورة طفلًا تحت الأنقاض في غزة، لكن تفسيرها قد يتراوح بين كونها دليلًا على جريمة حرب، أو نتيجة عرضية لما يسمى “الحرب على الإرهاب”. المعنى هنا لا تصنعه الكاميرا وحدها، بل السردية التي تحيط بالصورة.

لهذا السبب لا يمكن اختزال الصراع الإعلامي في إنتاج الصور، مهما بلغت قوتها التأثيرية. فالتجربة العالمية تثبت أن الصور المؤثرة لا تتحول إلى قوة سياسية إلا عندما تكون جزءًا من منظومة خطابية متكاملة. لقد ساهمت صورة الطفلة الفيتنامية الهاربة من قصف النابالم في تغيير المزاج العام تجاه حرب فيتنام، لكن تأثيرها لم يكن نتيجة الصورة وحدها، بل لأنها جاءت ضمن سياق سياسي وإعلامي واسع كان يشهد تحولًا في الرأي العام الأمريكي.

في الحالة الفلسطينية، تبدو المفارقة أكثر تعقيدًا. فالعالم اليوم يرى قدرًا غير مسبوق من الصور القادمة من فلسطين، خصوصًا من غزة، ومع ذلك لم يتحول هذا التدفق البصري إلى تغيير حاسم في بنية الموقف السياسي الدولي. وهذا يكشف حقيقة لا بد من الاعتراف بها: الصور قد تُحدث صدمة أخلاقية، لكنها لا تصنع بالضرورة تحولًا سياسيًا.

هناك ثلاثة أسباب رئيسية لذلك.

السبب الأول يتعلق ببنية القوة في النظام الإعلامي العالمي. فالمشهد الإعلامي الدولي ما زال تهيمن عليه مؤسسات كبرى تمتلك القدرة على تحديد ما يظهر وما يُحجب، وما يُضخَّم وما يُهمَّش. وحتى في عصر المنصات الرقمية، لا تزال الخوارزميات وأنظمة الإشراف على المحتوى تمارس دورًا خفيًا في توجيه تدفق الصور. وهكذا قد تنتشر صورة فلسطينية بقوة لوقت قصير، ثم تختفي في خوارزميات النسيان الرقمي.

السبب الثاني يتعلق بما يمكن تسميته تضخم الصورة وفقدان الصدمة. فحين تتكرر صور المأساة يوميًا، يفقد جزء من الجمهور قدرته على التفاعل معها. هذا ما يسميه علماء النفس الإعلامي "تبلد التعاطف"، حيث يؤدي التعرض المستمر للصور الصادمة إلى حالة من الاعتياد العاطفي. وهنا تتحول الصورة من صرخة إنسانية إلى خلفية يومية في تدفق الأخبار.

أما السبب الثالث فيتعلق بآلة الدعاية المضادة. فالصورة في الصراع المعاصر لا تعيش في فراغ، بل تواجه فورًا محاولات التشكيك أو إعادة التأطير أو إخراجها من سياقها. وفي كثير من الأحيان تُستخدم تقنيات إعلامية متقدمة لتحويل الصورة نفسها إلى مادة جدل، بحيث يصبح النقاش حول مصداقيتها بدلًا من مضمونها.

لكن ثمة بُعدًا آخر لا يقل أهمية، وهو البعد الداخلي المرتبط بأداء الإعلام الفلسطيني نفسه. فجزء من المشكلة لا يتعلق فقط بطبيعة النظام الإعلامي الدولي أو قوة الدعاية المضادة، بل أيضًا بالتقصير المزمن في بنية الإعلام الرسمي الفلسطيني. فالمفارقة أن الحديث عن ضرورة تطوير الخطاب البصري الفلسطيني يُقابل غالبًا بحجة جاهزة يكررها المسؤولون: ضعف الإمكانات.

غير أن هذه الحجة لم تعد مقنعة في عصر الإعلام الرقمي. فإنتاج محتوى بصري مؤثر لم يعد يحتاج إلى مؤسسات ضخمة أو ميزانيات هائلة كما كان الحال في الماضي. الهاتف المحمول الذي يحمله شاب فلسطيني في الشارع قد يكون اليوم أداة إعلامية أقوى من استوديو تلفزيوني كامل قبل عشرين عامًا. المشكلة إذن ليست في الإمكانات بقدر ما هي في غياب الرؤية والتنظيم والاستراتيجية.

إن ما نفتقده ليس الكاميرا، بل العقل المؤسسي القادر على إدارة الصورة. فبينما تنتشر الصور الفلسطينية بشكل عفوي عبر وسائل التواصل، لا تزال المؤسسات الإعلامية الرسمية تعمل بمنطق إعلام تقليدي بطيء، غير قادر على مواكبة سرعة الفضاء الرقمي ولا على تحويل الصورة إلى سردية متماسكة تخاطب العالم.

في الواقع، لا يحتاج الأمر إلى ميزانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى فهم عميق لطبيعة الإعلام المعاصر. غرفة تحرير صغيرة، فريق متخصص في تحليل الصورة وإعادة تأطيرها، وقدرة على إنتاج محتوى سريع بلغات متعددة، قد تكون كفيلة بإحداث فرق حقيقي في معركة الرواية.

إن ما تحتاجه الحالة الفلسطينية اليوم ليس فقط مزيدًا من الصور، بل بناء منظومة متكاملة لإدارة الرواية البصرية. وهذه المنظومة يجب أن تقوم على ثلاثة مستويات.

المستوى الأول هو الإنتاج المهني للصورة، بما يضمن التوثيق الدقيق للأحداث وفق معايير إعلامية عالية، بحيث يصعب التشكيك في مصداقيتها.

المستوى الثاني هو إدارة السردية، أي ربط الصورة بخطاب إعلامي واضح يفسرها ويضعها في سياق سياسي وقانوني مفهوم لدى الجمهور الدولي.

أما المستوى الثالث فهو بناء مؤسسات قادرة على تحويل الصورة إلى معرفة، عبر تحليلها وتوثيقها وإدماجها في أرشيف بصري منظم يساهم في كتابة التاريخ الفلسطيني.

في النهاية، لا يمكن إنكار أن الصورة أصبحت عنصرًا مركزيًا في الصراع المعاصر، لكن الاعتقاد بأنها قادرة وحدها على حسم معركة الرواية هو تبسيط مخل بطبيعة الصراع الإعلامي العالمي. فالصورة قد تكشف الحقيقة، لكنها لا تنتصر تلقائيًا. الانتصار الحقيقي يحدث عندما تتحول الصورة إلى جزء من خطاب سياسي ومعرفي قادر على مخاطبة العالم بلغة يفهمها.

ولهذا ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: كم صورة ننتج؟ بل: كيف نجعل الصورة تقول ما نريده نحن أن يُفهم منها؟

فهنا تبدأ المعركة الحقيقية على الرواية.