مجزرة سيارة العيد

2026-03-15 16:47:31

لم تكن معركة، ولم يكن في الطريق سوى قلبٍ أمٍّ نابض، ِوظِل   أبٍ بسيطٍ يحرس عائلته ، وأربعة أطفال لم يعرفوا بعد قسوة هذا العالم. هناك، في طمون جنوب  مدينة طوباس، جلس الموت إلى المقعد الخلفي للمركبة… وأسكت صوت ركابها  دفعةً واحدة.

في ليلةٍ رمضانية هادئة، ركب الأب علي خالد صايل بني عودة سيارته، وإلى جواره زوجته وعد عثمان عقل بني عودة  ، وخلفهما أربعة قلوب صغيرة: خالد، مصطفى، عثمان، ومحمد. كانوا في طريقهم  عودتهم  من مدينة نابلس ، بعد أن اشتروا  ملابس العيد. سيارة مليئة بالضحكات، وفرح يتنقل بين المقاعد. مشهد عائلي بسيط… يشبه آلاف المشاهد في طرقات العالم . و في الصورةٍ يظهر  الأشقاء يلعبون مع ملاكهم  عثمان؛ الطفل الذي كان يعاني من إعاقة بصرية، ويرى العالم بقلبٍ واسعٍ وبراءةٍ نادرة.

غالبًا ما تقود الطرق في فلسطين إلى فواجع غير متوقعة. فجأة ظهرت مركبة قوة إسرائيلية خاصة تحمل لوحات تسجيل فلسطينية. اقتربت من السيارة الصغيرة، وانهمر رصاصها الكثيف والمباشر على العائلة البريئة. لم يحتج الموت سوى ثوانٍ قليلة ليبدّد ذلك الفرح الصغير. تكسرت الضحكات وتحولت إلى صرخات عالية شقت عنان المكان. فشلت محاولات الأم في حماية أطفالها، وحاولت أن تبني بجسدها جدارًا أخيرًا في وجه الموت.خلال دقائق قليلة اكتملت المأساة داخل سيارة العيد: استشهد الأب علي  (37 عامًا)، بعد أن أصابته رصاصات في الرأس والوجه والصدر واليد اليسرى. واستشهدت الأم   (35 عامًا)، وطفلاها محمد (5 أعوام) وعثمان (7 أعوام)، إثر إصابتهم برصاصٍ مباشر في الوجه والرأس. أما الشقيقان خالد ومصطفى فقد أُصيبا بشظايا مختلفة، وبقيا شاهدين صغيرين على تلك الليلة التي انطفأت فيها أضواء الفرح وموسيقى الحب. صادر المحتل السيارة، وكأنه أراد إخفاء آثار الضحكات الأخيرة والطفولة المبللة بالدم. ويقول الطفل خالد، الناجي من المجزرة: “بعد أن أكمل الغزاة فعلتهم، هجموا على السيارة، وانهالوا عليّ ضربًا، وحاولوا انتزاع شقيقي مصطفى  من بين يدي للتخلص منه” . 

في هذا الفجر لم يقتل أربعة أشخاص فقط، بل اقتلعت عائلةً كاملة من جذورها، وغادرت صخب  الأرض إلى جنان  السماء. كم من الصباحات يجب أن يقتل من شعبنا حتى يفيق العالم من صمته  ؟ من يعيد لهذا الشعب العظيم حريته وسعادته وفرحه؟ من يوقف قتله في وطنه وأرضه  ؟ من يطلق سراحه من خلف ظلمات البوابات  الملونة  والحواجز المقفلة ؟ من يرفع عنه خناجر الفقر والجوع والحاجة والبطالة؟ أما آن لهذا الشعب أن يستريح ويحضن حريته؟ أما آن  لهذا البلد  الجريح أن يتحد ويقف صفًا واحدًا في مواجهة أعاصير الطرد  والتهجير؟. 

يا طمونُ الثكلى، لسنا بعيدين عن وجعك، فجرحك جرحنا، ودموعك تسيل في عيون وقلوب كل فلسطيني، ولون السواد يغلف حروف أبجديتنا المبللة بالصبر والصمود.