"باخوم" والعملاق الأحمر، و"نتنياهو"!

2026-03-18 11:04:36

قرأت مقال الكاتب سليمان جودة التي عقد بها مقارنة حالة بين "باخوم" و"نتنياهو"! وتساءلت من هو "باخوم"  هذا بوضوح!؟ حيث أثار بي الأمر حب الاستطلاع الذي هو زاد المثقف الذي لا يكتفي بالفكرة أو الأمثولة أو الاقتباس بل يحفر ما تحته ليرى الأصول ويفهم الوقائع وبالتالي يستطيع الاستخدام للفكرة أو الأمثولة بثقة في كتاباته أو محاضراته سواء الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها.

فهمت المقارنة من المقال بين طمع "باخوم" بأرض لا يطيق الوصول لها كلها إلا وقد قضى نحبُه، ومساحة المقارنة مع العقل الإسرائيلي المريض المتمثل حديثًا ب"نتنياهو" الذي يتمدد عدوانيًا منذ العام 2023 على الأقل على كل الساحات ليصل الى حتفه حتمًا كما قصة باخوم للكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي

المهم أنني بحثت عن القصة لأقرأها كاملة وليس ملخصّة كما جاء بها الكاتب الكبير فكان اختصاره جزلًا وليس مخلًا بالطبع، لكنني استفدت من ثنايا القصة القصيرة مواضيع أخرى سيتبينها القارئ حين الاطلاع عليها حيث مكتبة هنداوي تعرض القصة على موقعها في الشابكة ضمن قصص أخرى لتولستوي بكتاب تحت عنوان: "بدائع الخيال"، وبالكتاب مواضيع ذات صلة بمن هو لحب الاستطلاع جدير.

"باخوم" كان رجلًا طماعًا أراد أن يحوز أرضًا أكبر من قدرته على دفع ثمنها، وثمنها أن يسير أو يركض بالأرض المطلوبة، فهي له لأي نقطة يصلها، على شرط أن يعود للبائع قبل مغيب الشمس. إلا أن الطمع أعماه فكلما توغل بالأرض المزدهرة أراد أكثر فيسير ويركض، ولما كانت الشمس تقرب من المغيب عاد مسرعًا وقد أنهكه التعب ليموت على أعتاب النقطة الأولى التي انطلق منها.

إن في ذلك درس روحي نعم، وسياسي أيضًا فمن لا يستحق الأرض التي ملكها بطمع أو تدليس أو خرافات أوبظلم مآله شنيع بإذن الله، وقد قادتني هذه القصة والاستعارة للكاتب جودة الى عقد مقارنة أخرى، والشيء بالشيء يذكر.

"مايكل هيرش" وهو أستاذ ومؤلف لكتابين عن السياسة الأمريكية  يكتب هذا العام 2026 عن "العقيدة الترَمبية التي كشفتها حرب إيران" واصفها بالارتباك الكبير ومشيرًا ل "عقيدة العلامة التجارية"، ثم ليحدد أن سياسة "أمريكا أولًا" مبنية على حنين ماضوي (نوستالجيا) ساذجة وطفولية للماضي، وأن أمريكا نتيجة تجاهل ترمب للقانون والدبلوماسية-من غرينلاند الى فنزويلا وإيران-يضع بلاده في موقف تآكل استراتيجي طويل الأمد "شبيه بنجم يبلغ أقصى اتساعه قبل الانهيار".

ومن آراء الكاتب تبينت التشبيه البليغ المتصل ب"ترمب" وما قد يصدق على "نتنياهو" ما يعيدنا لقصة باخوم وكاتبها ليو تولستوي الروائي العظيم، إذ يقول "هيرش": أن الرئيس الأمريكي يضع بلاده في موقف تآكل استراتيجي طويل المدى "شبيه بنجم يبلغ أقصى اتساعه قبل الانهيار"، فماذا يا ترى يعني بذلك وما معنى الجملة!

بالعودة للمصادر الفلكية (عدنا لموقع الفضاء space.com)التي افترضت أن تشبيه "مايكل هيرش" جاء منها تفاجأت أنها تقول بالمعنى الفلكي أن النجم بمراحله الاخيرة يتمدد ويتضخم بشكل هائل ليصبح ما يعرف ب "العملاق الأحمر" وهذه استعارة قد نستخدمها لاحقًا أي "العملاق الأحمر" ويبلغ أكبر حجم له على الإطلاق ثم ينهار فجأة في انفجار يسمى المستَعِر الأعظم أو المتفجر "السوبرنوفا".

في قصة باخوم طمع وتوسع وعدم قدرة على الهضم وانهيار أو كما قال سليمان جودة بتحليله: " الفكرة لم تكن في الجبهات التي أحصاها في قاعة الأمم المتحدة على مرأى من العالم، حتى ولو بلغت مائة جبهة وجبهة، وإنما الفكرة كانت في مدى قدرته على أن يهضم ما يريد أن يبتلعه. ومما نتابعه منذ بدأ حروبه وهروبه نرى أن اللقمة التي يرغب في ابتلاعها أكبر من فمه، وأن فمه إذا اتسع لها فمعدته أضعف من أن تهضمها، وأن المعدة إذا هضمتها فجسده أوهن من أن يتمثلها، وأنه في النهاية سيجد نفسه مثل باخوم قبل العودة بقليل."

وفي مقال "هيرش" واستعارته فإن المعنى المجازي قد يعني الازدهار الخادع أو اللحظة الأخيرة من التمدد أو التوسع أو العظمة (أو اعتقادها) قبل السقوط، وفي الحالتين ما قد ينطبق على دولة أو امبراطورية آيلة للسقوط أو شخص في لحظة نشوة الانتصارات. وهو بالحقيقة في بداية سقوطه ما قد يماثل الوضع الإسرائيلي والأمريكي  الاستخرابي والعدواني، أو بتحديد أكبر وضع  نتنياهو وأيضًا شريكه بالعدوان على فلسطين والمحيط أي ترمب. لنصل نحن لنتيجة مؤداها أنه كلما بدا الشيء أبهى وأعظم كان الانهيار القادم أعمق وأشد.

بالعودة للكاتب سليمان جودة فإنه يختم مقاله بالقول:" يكتشف نتنياهو هذا، ثم يكتشف ثانياً أن الحرب التي دمر بها قطاع غزة لم تزد القضية في فلسطين إلا حضوراً، وأن كل مساحة دمرها في غزة أضافت دولة أو أكثر في قائمة الدول المعترفة بفلسطين في المنظمة الدولية في نيويورك، وقد توالت الدول المضافة حتى بلغ العدد ثلثي الدول الأعضاء في المنظمة!" فالوضع مهما تمدد بما لا يستطيع هضمه من 7 جبهات كما قال نتنياهو "مرهون في فلسطين بقيام دولة فلسطينية".

في الختام، وعطفًا على ماسبق من بحث وحب استطلاع محمود وتأسي وحيث الصِلة، دعنا نتأمل بالقرآن الكريم حيث يقول الحق:"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ"-الزمر: 67، ويقول: "وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا"- البقرة: 165. ويقول جل وعلا: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ"-الأنعام: 18 صدق الله العظيم.