"المواجهة مع إيران وأزمة النظام الدولي ، تصدّع القرار في واشنطن"

2026-03-18 12:38:33

لم تعد المواجهة مع إيران مجرد اختبار لتوازنات القوة في الشرق الأوسط ، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس أزمة أعمق في بنية النظام الدولي ذاته ، بل وحتى داخل الدولة التي قادت هذا النظام لعقود بشكل أحادي . فمع تصاعد العمليات العسكرية ، لم يعد السؤال محصوراً في حدود الردع والحرب ، بل امتد ليطال أسس الشرعية الدولية ، ومعايير استخدام القوة ، وحدود القرار داخل واشنطن نفسها ، في ظل تخبط واضح في التصريحات والمواقف .
فبين الدعوات لتشكيل تحالف دولي وتصاعد الردع الإيراني ضمن حدود مكلفة ، يختبر العالم اليوم معادلة دقيقة بين منطق القوة وقواعد القانون الدولي . ومع احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى التي قد نتفق او نختلف مع مشروعها في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يستهدف وجود شعبنا في غياب مشروع عربي ، يعود السؤال الجوهري ، هل ما زال العالم يُدار وفق قواعد القانون الدولي ، أم أنه دخل مرحلة جديدة تحكمها موازين القوة والتحالفات؟

لم يكن الحديث عن تحالف دولي ضد إيران جديداً ، لكن إعادة طرحه في هذا التوقيت تكشف إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النظام الدولي ذاته . فهل يعكس هذا التحالف إرادة دولية حقيقية ، أم أنه مجرد محاولة لإضفاء شرعية على استخدام القوة خارج الأطر القانونية؟ خاصة في ظل تراجع دور المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ، وتزايد المحاولات الأمريكية لتهميشها ، بمقابل الموقف الروسي الذي عبر عنه بوتين بوصفه له  "بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي "، الى جانب الموقف الصيني في إدانة العدوان من جهة ، وتقديم الدعم لايران في هذه المواجهة .

فمنذ اندلاع العدوان ، بدا المشهد الدولي متناقضاً ، فالهجوم على إيران ، رغم خطورته ، لم يقابل بإدانة دولية واضحة ، بل اتجه في بعض الأحيان إلى تحميل الطرف المستهدف مسؤولية التصعيد . هذا الصمت أو التواطؤ يعكس أزمة عميقة في النظام الدولي ، ويعيد إنتاج ذات المعايير المزدوجة التي طالما طبقت على القضية الفلسطينية ، حيث تُجرم الضحية وتُمنح الشرعية للقوة والمعتدي .
وفي هذا السياق ، كشفت تسريبات إعلامية غربية ، أبرزها ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" ، عن برقية دبلوماسية سرية تتضمن تقييماً إسرائيلياً رسمياً يعترف بأن إيران لم تنكسر رغم الضربات التي استهدفت بنيتها القيادية . فبعكس التقديرات التي راهنت على انهيار سريع أو فوضى في منظومة القرار بعد استهداف القيادة العليا ، أظهرت الوقائع استمرار عمل الآلة العسكرية الإيرانية بكفاءة ، واستمرار إطلاق الصواريخ ضمن منظومة قيادة وسيطرة لم تتفكك .
إن هذا المعطى لا يكشف فقط عن صلابة ميدانية ، بل يفضح خللاً عميقاً في التقديرات الاستخباراتية التي بُنيت عليها هذه الحرب ، سواء في واشنطن أو تل أبيب ، حيث جرى التقليل من قدرة النظام الإيراني على التكيف والاستمرار وامتصاص الضربات . وهو ما يعيد التأكيد على مفارقة جوهرية وهي ان ، التفوق العسكري لا يضمن الحسم ، عندما تكون قراءة الخصم قاصرة أو محكومة باعتبارات أيديولوجية مثل الترامبية .

وفي موازاة ذلك ، برزت أدوات الضغط الإيرانية ، وفي مقدمتها التهديد بإغلاق مضيق هرمز ، كجزء من استراتيجية لرفع كلفة المواجهة وليس لتحقيق انتصار تقليدي . فميزان الردع هنا لا يقوم على التكافؤ العسكري ، بل على القدرة على إلحاق ضرر كافي بالخصم ، خاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة العالمي ، حيث تتحول الجغرافيا إلى عنصر قوة حاسم في رفع التكلفة .

أما على المستوى الغربي ، فيعكس الموقف الأوروبي حالة من التردد ، نتيجة إدراكه لمخاطر الانخراط في مواجهة مفتوحة ، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني . وهو ما يفسر هذا التوازن الحذر بين الانحياز السياسي للولايات المتحدة ، ومحاولة تجنب الانخراط العسكري المباشر وفق اعلانات العديد من الدول الأوروبية امس .

لكن البعد الأكثر دلالة في هذه الأزمة يتجلى داخل الولايات المتحدة نفسها ، فالتناقض بين إعلان تحقيق أهداف عسكرية سريعة ، والدعوة في الوقت ذاته إلى تشكيل تحالف جديد ، يكشف عن أزمة في تعريف النصر وحدود القوة . كما أن استقالة جوزيف كانت مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب احتجاجاً على الحرب ، تمثل مؤشراً غير مسبوق على حجم الانقسام داخل بنية القرار الأميركي . فتصريحاته التي شككت بوجود تهديد إيراني وشيك تعكس تآكلاً في الإجماع التقليدي داخل المؤسسات الأمنية ، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة المصالح التي تحكم القرار بالولايات المتحدة .

هذا الانقسام لا يعكس فقط خلافاً سياسياً ، بل أزمة بنيوية في آليات صنع القرار ، حيث لم يعد واضحاً ما إذا كانت الحروب تُدار وفق تقديرات مؤسساتية دقيقة ، أم تحت تأثير اعتبارات أيديولوجية تغلف بلبوس دينية وتحالفات سياسية يريدها ترامب ومن حوله ، وهو ما يضعف قدرة الولايات المتحدة على قيادة نظام دولي مستقر ، او حتى الحفاظ عل نظام البترودولار .

في المقابل ، يبرز فراغ استراتيجي عربي واضح ، فالعلاقة مع الولايات المتحدة التي كانت تُعد ضمانة للأمن لدى بعض الدول ، بدأت تتحول إلى مصدر قلق والتساؤل حول جدوى وجود القواعد العسكرية على أراضيها ، في ظل سياسات غير مستقرة قد تدفع المنطقة إلى مزيد من التصعيد . وهذا الفراغ يفتح المجال أمام قوى أخرى لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية ، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى توسيع نطاق هيمنتها مستفيدة من هذا التحول والفراغ .

إن ما يجري اليوم لا يتعلق بإيران وحدها ، بل يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي ، الذي يبدو أنه يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها القواعد القانونية لصالح منطق القوة وهو ما يتفق مع تصريحات ترامب أمس حول "كوبا" واستعداده السيطرة عليها كما في  مسألة "ريفيرا غزة" . وهي مرحلة قد يسودها الكتوحش الإمبريالي وتسبق انتقالاً إلى نظام متعدد الأقطاب  ، لكنها تحمل في طياتها مخاطر الفوضى وتآكل الاستقرار .

وفي ظل هذا المشهد ، تصبح القضية الفلسطينية أكثر عرضة للتهميش ، في وقت تتصاعد فيه سياسات الاستيطان والضم وتُعاد صياغة واقع الاحتلال بما ينسجم مع موازين القوة الجديدة . وهو ما يجعل من هذه التحولات تحدياً مباشراً للمشروع الوطني الفلسطيني .
وعليه ، فإن المرحلة الراهنة لا تحتمل الاكتفاء بردود الفعل ، ولا التعويل على نظام دولي أحادي القطب يتآكل من الداخل . بل تفرض ضرورة بناء رؤية فلسطينية وعربية تستند إلى قراءة دقيقة لهذه التحولات ، وتعمل على توظيفها لحماية المصالح الوطنية ، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني ، وإعادة وضع القضية الفلسطينية في موقعها الطبيعي كقضية تحرر وطني في مواجهة مشروع استعماري مستمر .