يوم الأرض... تجاوز الرمزية إلى الفعل

2026-03-30 11:07:29

في حياتنا الفلسطينية، أيّامٌ جرى تسميتها وإحيائها كل عام، كونها تجسّد محطاتٍ هامة في مسيرة شعبٍ وأرضٍ وحقوق.

وعلى مدى نصف القرن الذي أحيا فيه الفلسطينيون وأشقاؤهم وأصدقاؤهم يوم الأرض، لم يجرِ التعامل معه كمناسبة، وإنما كحدثٍ عمّق في الأجيال الفلسطينية وعياً لمكانة أرض الوطن في الحياة، وعملاً جعل الجذور عصيةً على الاقتلاع.

الذين بقوا على الأرض وأسسوا يومها الخالد، زرعوا وعياً عميقاً تداوله الصغار والكبار، واعتنقه من ولدوا من أبناءٍ وبنات، ما نفى وبصورةٍ قطعيةٍ مقولة الكبار يموتون والصغار ينسون.

الكبار الذين كانوا مؤسسين لهذا اليوم الخالد، فارق كثيرٌ منهم الحياة، ولكنهم لم يموتوا، والصغار الذين فتحوا أعينهم على وثيقة كيننغ، وفّر لهم شهداء الفكرة حصانةً من النسيان، وها هم يملؤون أرضهم بالحياة، ويعمّقون جذورهم فيها، ولمن لا يعرف وثيقة كيننغ، فهي الشاهد الصريح على أخطر جريمةٍ ضد الإنسان والأرض، حين وضعها موظفٌ اسرائيليٌ كبير كخطةٍ لتفريغ الجليل من أهله الفلسطينيين، بالتهجير وحتى بتحديد النسل.

يوم الأرض الذي لم يعد في حياة الفلسطينيين مجرد مناسبةٍ رمزية، أنتج في الواقع إمكانياتٍ إضافيةً وفعّالةً لصيانة الجذور وتعميقها في الأرض، وحافزاً كفاحياً متجدداً لحمايتها من المصادرة، وحماية أصحابها من تجريدهم المنهجي منها بنزع ملكيتها وتحويل مواطنيها الأصلاء إلى ساكني أمرٍ واقع يجري التعامل معهم لمجرد عدم القدرة على إلغائهم.

نضال أهل الأرض كان وما يزال، نضالاً ذكياً وحضارياً وفعّالاً، منذ رُفع شعار السلام والمساواة، ما فتح أبواب العالم أمام عدالة الفكرة، وجدارة تبنيها، فالمساواة شعارٌ ومطلبٌ إنساني لكل من تطاله العنصرية بآثامها وظلمها وآلامها، والسلام شعاراً للمستقبل الذي يعتنقه الفلسطينيون جميعاً عبر هدفهم الوطني العادل، الحرية والاستقلال.

في هذا اليوم وخلال خمسين سنةٍ مرّت كان توفيق زيّاد يعود إلى الحياة من جديد وكانت الأجيال تقرأ بل وتحفظ قصيدة الأرض الخالدة لمحمود درويش، ولم يغب عن الذاكرة شهداء ذلك اليوم الخالد، ليس فقط كلما حلّ الثلاثون من مارس آذار كل عام، بل في كل يومٍ من أيام السنة، حيث يصوغ الفلسطينيون تاريخهم بجهدهم ووعيهم وتضحياتهم، ومن يحسن فهم التاريخ واعتناق مآثره، يُحسن حتماً اختيار طريقه الصحيح لبلوغ أهدافه العادلة، وما يوم الأرض العظيم إلا محطةً نابضةً بالحياة والأمل على هذا الطريق.