نقطة ضوء: هذا وطنٌ يُشنق بصمت

2026-03-31 08:51:43

إعدامُ الأسرى ليس قرارًا عابرًا… بل مشانقُ تُنصب كلَّ يوم؛ مرةً بالحبل، ومرةً بالجوع، ومرةً بصمتنا الذي يقتلهم ببطء.

ليس قتلُ المدنيين خبرًا عاديًا… بل دمٌ يسيل على الحواجز، وفي الشوارع، وعلى تراب الأرض التي لم تغفر لنا أننا تركناها وحدها. آباءٌ يُقتلون، أمهاتٌ يُكسرن، وأطفالٌ يُسلبون من الحياة قبل أن يتعلموا نطق اسمها: فلسطين.

ليس ضمُّ الضفة قوانينَ تُسنّ… بل اقتلاعُ روحٍ من جسدها، ومستوطَناتٌ تُزرع كأنيابٍ في خاصرة البلاد، وبؤرٌ رعويةٌ تحرس الخراب، وتتمدد كأنها قدر.

ليس تهجيرُ الأغوار ومناطق “C” و”B” مجرد إجراء… بل نفيٌ جماعيٌّ مفتوح، وطرقٌ استيطانيةٌ تشقُّ القرى كالسكاكين؛ تحاصرها، تخنقها، وتنتظر موتها البطيء.

ألفٌ ومئتا حاجز… ومئتا بوابة… ليست أرقامًا، بل قضبانُ سجنٍ كبير، حيث يتحول البيت إلى زنزانة، والوطن إلى مساحة انتظار.

حجزُ الأموال ليس أزمةً مالية… بل سرقةُ مقدراتِ شعبٍ، وتحويلُه إلى رهينةٍ للفقر والعوز، كما يُدفع الغريق نحو قاع المحيط.

إغلاقُ المعابر مع نصف البرتقالة في أراضي عام 1948 ليس إجراءً أمنيًا فقط… بل خنقٌ لشريان حياة، وينبوعُ ماء، وضياعٌ في صحارى البطالة واليأس.

القطاعاتُ الصحية، والقانونية، والتربوية، والاقتصادية… ليست عاجزةً فقط، بل تُحتضر… ونحن نراقب؛ الناسُ يسيرون في فضاءاتها، تعلو وجوهَهم ملامحُ الغضب والحيرة والضياع.

أزماتُ الغاز والماء والعملات… ليست تفاصيلَ حياةٍ يومية، بل رسائلُ واضحة: أن الحياة هنا تُنتزع منا بالتقسيط. لا توجد في المكان خططٌ ولا استراتيجيات، بل عملٌ عفويٌّ متهالك.

عودةُ الاحتلال لإدارة تفاصيل حياتنا… ليست عودةً عادية، بل إعلانٌ صريح: أن كلَّ ما ظننّاه طريقًا نحو “استقلال” ما زال احتلالًا من الألف إلى الياء. ما زلنا نخاف، ونهرب، وتنكمش داخلنا ذواتُنا المنهارة.

المخيمات في شمال الضفة… ليست أماكن تُهدم، بل ذاكرةٌ تُمحى، وبيوتٌ تُقتلع، وشعبٌ يُدفع خارج تاريخه قسرًا. جماهيرُ ضائعة، تائهة، جائعة، تحتاج من يقف إلى جانبها… ولا أحد يسأل عن حالها ووجعها.

أما نحن… فمنظومتُنا الفصائلية تنهار، تتعفن، وتموت بصمت، ويُدفن معها كلُّ ملامح الوعي الوطني، وتُطفأ آخر شموع الروح الجماعية. منذ متى لم يعد الناس يشعرون بحال بعضهم بعضًا؟ منذ متى لم يعد اسم عمورية يحرّك فينا النخوة والشهامة؟

الانقسام ليس خلافًا… بل خنجرٌ في القلب، يُعطّل قدرتنا على ترتيب أولوياتنا، ويجعلنا نغرق في تفاصيلنا، بينما الوطن يضيع أمام أعيننا.

العروبة… تخلّت عنا، والقومية خذلتنا، وتركت هذا الشعب وحيدًا يقاتل الجوع والخوف والخذلان. أين دعمهم ومواقفهم وصوتهم؟

أما غزة… فليست خبرًا بعيدًا، بل جرحٌ مفتوح يُترك في دهاليز الموت: جوع، برد، عطش… وصمتٌ عربيٌّ مريب.

ألا يكفي كل هذا؟ ألا يهزّ فينا ضميرًا… أو ما تبقى منه؟ ألا يوقظنا من هذا الغرق، هذا الواقع القاتل؟

اتقوا الله في هذا الشعب العظيم… الذي يصبر أكثر مما يجب، ويحتمل أكثر مما يُحتمل. اتقوا الله في وطنٍ يتشقق، ويتشظى، ويقترب من المجهول والضياع.

نريد من يهبط إلى مجالس الناس، لا من يتحدث عنهم من خلف المكاتب. نريد من يسمع قلوبهم، ويعرف وجوههم، لا من يكتب لهم بياناتٍ لا تُقرأ. نريد فعلًا… لا خطابات. نريد وطنًا… لا وهمًا.

يا محمود درويش… نقولها بمرارة: "لسنا استثناء" ، ولسنا على قلب رجلٍ واحد. وربما، في هذه اللحظة القاسية… لا نستحق هذا الوطن، ولا هذا الشعب العظيم.

يا زعماء الوطن، ومناضليه، وسدنته، ومفكريه، ومُلّاك اقتصاده وثرواته، وشركاته الكبرى وبنوكه الفاخرة… هناك وطنٌ اسمه فلسطين يناديكم: اخرجوا من الصندوق قبل أن يُغلق علينا جميعًا. الشعب يريد حكومةَ طوارئ، وقيادةً طوارئ ، وعقولًا بحجم الكارثة… الشعب يريد مراجعةً عاجلة لمساراتنا وهياكلنا السياسية والوطنية والاقتصادية جمعاء. 

هذه قائمة وجع وحزن ، وبكائية وطنٍ ، تُكتب بالدموع  .

نص: د. عدنان ملحم