حروب الهيمنة المتراجعة: حين تلتقي واشنطن وتل أبيب على حافة الهاوية
لم تكن هذه الحرب مجرد قرار عسكري عابر، بل لحظة اختبار حاسمة لقوةٍ اعتادت فرض إرادتها على العالم. غير أن ما بدأ كرهان على حسم سريع، يتحول اليوم إلى مسار مفتوح من الاستنزاف، يكشف حدود القوة الأمريكية–الإسرائيلية في مواجهة خصوم يمتلكون القدرة على الصمود وإطالة أمد الصراع واكتشاف أوراق التأثير. هنا، لا تعود المسألة من سينتصر، بل من يستطيع تحمّل كلفة حرب بلا نهاية واضحة، في نظام دولي لم يعد كما كان.
رغم ذلك، فإن تفاصيل الحرب واستمرار العدوان، وبالتالي مآلات الصراع والتحركات الاستراتيجية لكل طرف، لا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها نتيجة أخطاء تكتيكية أو توقعات محدودة كما أشار البعض. الواقع أعقد من ذلك، فتمدد الحرب يعكس تداخلات بنيوية بين الحسابات الاستراتيجية والأيديولوجية، بل والمعتقدات التفسيرية المزعومة للديانات، وسوء تقدير من الطرف المعتدي في حالة العدوان على إيران ولبنان، ما جعل الحسم السريع مستحيلاً، خلافاً لما اعتُبر في البداية “نزهة”.
التحالف المعادي، صاحب نظرية الحرب الاستباقية، دخل المعركة معتقداً أن أدواته كفيلة بالتحكم في مسارها كما اعتقد في حروب له سابقة عبر التاريخ. غير أن الطبيعة المعقدة للنظام الدولي اليوم، وقدرة الاقتصاد والعقيدة السياسية للخصوم على الصمود والاستنزاف، حولت الحرب إلى صراع لا يُعرف متى أو كيف سينتهي، رغم الحديث المتزايد عن مشاريع لوقف إطلاق النار.
في هذا الإطار، تبرز العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية بوصفها نموذجاً مكثفاً لهذا الاختلال، حيث يتقاطع النفوذ مع الأيديولوجيا، وتختلط المصلحة بالاندفاع. فالانخراط الأمريكي في تصعيد العدوان ضد إيران لا يمكن قراءته باعتباره نتيجة ضغط إسرائيلي فحسب، رغم أهمية هذا العامل، بل يعكس بنية أيديولوجية راسخة داخل مراكز القرار في واشنطن، تتجلى في عودة صعود تيارات المحافظين الجدد، وما تحمله من نزعة تدخلية قائمة على تفسيرات دينية مزعومة وفرض الهيمنة بالقوة.
بحيث تتقاطع هذه الرؤية مع نزعة قومية–رأسمالية متطرفة ترتقي إلى مكانة الفاشية، تميل إلى توظيف الصراع الخارجي كأداة لإعادة ترتيب الداخل الأمريكي الاقتصادي والاجتماعي وتعويض مظاهر التراجع في المكانة الدولية.
وفي هذا السياق، لا يظهر الدور الإسرائيلي كعامل منفصل، بل كجزء من منظومة متكاملة، حيث يلتقي تأثيره مع مصالح وأفكار داخلية أمريكية تدفع نحو التصعيد لاعتبارات مختلفة. فشبكات النفوذ المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن لا تخلق القرار من فراغ، لكنها تساهم في توجيهه أو في منع مراجعته، حتى عندما تتضح مخاطره. وهكذا تتشكل سياسة خارجية تدفع نحو المواجهة، مدفوعة بمزيج من الحسابات الأيديولوجية، والتفسيرات الإنجيلية الصهيونية والتوراتية، والضغوط السياسية، والمبررات الاقتصادية، في لحظة دولية تتسم أصلاً بعدم الاستقرار.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا المسار لا يخدم بالضرورة حتى إسرائيل نفسها، فالدولة التي تخوض مواجهات مفتوحة على أكثر من جبهة في فلسطين ولبنان والتصعيد العسكري مع إيران، تجد نفسها أمام استنزاف متزايد عسكرياً واقتصادياً وبشرياً، في ظل بيئة إقليمية معادية على المستوى الشعبي رغم تواجد قواعد عسكرية أمريكية فيها، واتساع فجوة التوازن مع محيطها وحتى على المستوى الدولي، وعجزها عن توريط المنطقة في صراع أوسع مع إيران كعدو بديل عنها.
إن محاولة فرض الهيمنة بالقوة في إقليم واسع ومكتظ ليست سوى وصفة لحروب طويلة الأمد، يصعب حسمها، وتتزايد كلفتها مع الزمن لتتحول إلى نمط مستمر من حروب الاستنزاف. ويظهر ذلك بوضوح في عدوان الإبادة على غزة والاستيطان التهويدي بالضفة والقدس، حيث لم يقتصر الدعم الأمريكي على الغطاء السياسي بل شمل مختلف أشكال الإسناد، رغم الكلفة الإنسانية الهائلة وما أثارته من انتقادات دولية متصاعدة وصلت إلى حدود العزلة.
هذا الانحياز لم يُضعف فقط صورة الولايات المتحدة، بل ساهم في تعميق الأزمة، ودفع المنطقة نحو مزيد من التوتر، بدل احتواء الصراع أو فتح أفق سياسي لحله من خلال حل جذر المشكلة.
وفي هذا السياق، يأتي الرد الإيراني الأخير على مقترح الهدنة ليؤكد موقفها، إذ لم تكتفِ طهران برفض وقف إطلاق النار المؤقت، بل أعادت تعريف شروط إنهاء الحرب برمتها. فطرحها الذي يتضمن بنوداً تتعلق بإنهاء النزاعات والحروب في المنطقة، ووضع بروتوكول مرور آمن في مضيق هرمز، إلى جانب اشتراط رفع العقوبات وإعادة الإعمار، يعكس انتقالاً من منطق “التهدئة المؤقتة” إلى فرض مقاربة شاملة تعالج جذور الصراع. بهذا المعنى، لا تستخدم إيران أوراقها كأدوات ضغط تكتيكية فحسب، بل كعناصر في معادلة سيادية طويلة الأمد، تربط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي وحقها في تقرير سياساتها وسيادتها على أراضيها ومقدراتها.
وهو ما يضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام خيارين: إما القبول بتسوية بشروط جديدة أكثر توازناً، أو الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة تتزايد كلفتها مع الوقت دون أفق حاسم.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى المبادرة كوسيلة لتخفيف الخسائر والضغوط الدولية المتزايدة عليهما، خاصة في ظل تأثيرات أزمة الطاقة والدولار، لكنها تتعامل بحذر مع شروط إيران، خشية أن يؤدي قبولها إلى توسيع هامش نفوذها الاستراتيجي وتعقيد مشروع الهيمنة الذي تدافع عنه الولايات المتحدة بكل وحشية.
هذا التباين يؤكد أن أي تهدئة لا تعالج جذور الصراع، ولا تضع نهاية واضحة للحرب، ستبقى مجرد إعادة ترتيب مؤقتة لموازين القوى، واختباراً للثقة والضمانات، وليس مدخلاً لحل حقيقي.
في ظل هذه المتحركات، تبرز أسئلة جوهرية: فهل بدأت واشنطن تدرك أنها دخلت نفقاً مظلماً لا مخرج منه؟ وهل يستطيع الاقتصاد الأمريكي المريض تحمل نزيف مليار دولار يومياً في حرب لم تنتهِ بعد؟ وإلى أين تقود هذه السياسات المنطقة والعالم في ظل توحش قوى تتراجع هيمنتها اليوم؟
لم يكن من المفترض لهذه الحرب أن تطول، فقد دخلتها أطراف العدوان بثقة في قدرتهم على الحسم السريع، لكن ما بدا مواجهة محدودة تحول إلى حرب مفتوحة استنزفت الجميع.
إن استمرار هذه الحرب لا يعكس تفوقاً حاسماً لأي طرف، بقدر ما يكشف حدود القوة ذاتها عندما تُستخدم بمعزل عن فهم عميق لطبيعة الخصوم وقدرتهم على الصمود، ومعنى عدم تحقيق العدو لانتصارات بما يعبر عن شكل الهزيمة له. فرهانات الحسم السريع سقطت، ومعها سقطت أوهام الهيمنة والسيطرة المطلقة، بينما تتكشف معالم مرحلة دولية جديدة، تتراجع فيها الهيمنة الأحادية لصالح واقع أكثر تعقيداً وتعدداً من وجهة نظري.
وفي هذا السياق، لم تعد هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لطبيعة النظام الدولي نفسه. وما تكشفه بوضوح هو أن زمن الحسم السريع قد انتهى، وأن إرادة الشعوب وقدرة الدول على الصمود باتت عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل موازين القوى.
وعليه، فإن استمرار هذا المسار لن يقود إلى انتصار حاسم، بل إلى مزيد من التفكك الإقليمي والاضطراب الدولي، ما يفرض على الإدارة الأمريكية، ولو متأخراً بفعل المعارضة الأمريكية المجتمعية وشبه الحزبية والشعبية للحرب ولإدارة ترامب، الضغط أكثر من أجل إعادة التفكير في منطق القوة ذاته، والضغط عليها باتجاه البحث عن مقاربات سياسية تعترف بالحقوق والسيادة وحق تقرير المصير، بمساعدة المواقف الأوروبية المعلنة من عنجهية وفاشية الثنائي ترامب ونتنياهو وغطرسة إدارتهم، إلى جانب المواقف الروسية والصينية المعلنة، بدل الاستمرار في إدارة العالم بمنطق الحروب المفتوحة التي لم تعد تنتج سوى أزمات أعمق تهدد السلم والأمن الدوليين.