باكستان تقلب الطاولة: حين يربك الغضب حسابات الحرب والسلام
في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، عشية انطلاق المحادثات الأمريكية–الإيرانية في إسلام آباد، جاء التصعيد الإسرائيلي في لبنان كصفعة سياسية مدوية أربكت الحسابات الدولية، وأطلقت ردود فعل غير مسبوقة، كان أبرزها الموقف الباكستاني الصادم في حدّته وتوقيته.
فالغارات الإسرائيلية الواسعة على لبنان، التي طالت بيروت وأوقعت خسائر بشرية ومادية جسيمة، لم تُقرأ في إسلام آباد باعتبارها حدثاً عسكرياً معزولاً، بل كرسالة سياسية تستهدف تقويض مسار التهدئة الجاري برعاية باكستانية. ومن هنا يمكن فهم اللغة الغاضبة التي استخدمها وزير الدفاع الباكستاني، والتي تجاوزت الأعراف الدبلوماسية، لتكشف حجم القلق الباكستاني من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.
هذا الموقف لم يكن انفعالاً عابراً، بل يعكس جملة من الهواجس العميقة. أولها، شعور إسلام آباد بأن تل أبيب تحاول إفشال أي تقارب أمريكي–إيراني، خاصة في ظل جهود باكستانية مضنية لمنع توسع رقعة الحرب. وثانيها، إدراكها لحساسية وضعها الداخلي، حيث يشكل التوازن الطائفي عاملاً دقيقاً قد يتأثر بأي تصعيد إقليمي مع إيران. وثالثها، التزاماتها الأمنية في الخليج العربي، التي تجعلها معنية مباشرة بأي اضطراب يهدد استقرار هذه المنطقة الحيوية.
اللافت أن هذا التصعيد الكلامي الباكستاني وضع واشنطن في زاوية حرجة. فالإدارة الأمريكية، التي سعت إلى تسويق اتفاق وقف إطلاق النار كإنجاز دبلوماسي، وجدت نفسها أمام واقع ميداني يناقض روايتها، بعد أن وسعت إسرائيل عملياتها لتشمل لبنان، في تجاهل واضح لروح التهدئة. وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى محاولة احتواء الموقف بإعادة التأكيد على شمول الاتفاق للبنان، في تناقض لافت مع الطرح الإسرائيلي.
في المحصلة، لم يكن المنشور الباكستاني مجرد تصريح عابر على منصة "إكس"، بل تحول إلى حدث سياسي قلب المعادلة، وكشف هشاشة التفاهمات الدولية، وعمق التباينات بين الحلفاء. كما أنه أعاد طرح سؤال جوهري: هل ما يجري في المنطقة هو بالفعل مسار نحو السلام، أم إعادة ترتيب لمسرح صراع مفتوح؟
الإجابة، حتى الآن، تبدو معلّقة بين غارات لا تتوقف، وتصريحات تتصاعد، ومفاوضات قد تولد ميتة إن لم تُحمَ بإرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة.