التمويل الأخضر في البنوك الفلسطينية: نحو رؤية استراتيجية بيئية وحوكمة مؤسسية فعّالة

2026-04-10 09:30:38

في ظل التحولات المتسارعة نحو الاقتصاد المستدام عالميًا، أصبح التمويل الأخضر أحد المكونات الأساسية في إعادة تشكيل دور القطاع المصرفي، حيث لم يعد يقتصر على تحقيق الربحية المالية، بل امتد ليشمل المساهمة في تحقيق أهداف بيئية واجتماعية طويلة الأجل.

وتأتي هذه التحولات مدفوعة بتزايد الضغوط البيئية، والتوجهات التنظيمية الدولية، والتغير في سلوك العملاء، الذين باتوا أكثر وعيًا بقضايا الاستدامة.

وفي السياق الفلسطيني، تكتسب هذه التحولات أهمية إضافية في ظل محدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع تكاليف الطاقة، والحاجة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على التكيف مع التحديات البيئية والاقتصادية.

يشير مفهوم التمويل الأخضر إلى توجيه الموارد المالية نحو الأنشطة الاقتصادية التي تحقق أهدافًا بيئية محددة، مثل مشاريع الطاقة المتجددة، وإدارة النفايات، وتحسين كفاءة استخدام الموارد.

وتوضح تقارير مؤسسة التمويل الدولية (IFC) أن الأسواق الناشئة تمتلك فرصًا استثمارية خضراء تتجاوز 23 تريليون دولار حتى عام 2030 (International Finance Corporation, 2020)، وهو ما يعكس حجم الإمكانات الكامنة في هذا المجال.

كما تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن تحقيق أهداف المناخ العالمية يتطلب استثمارات سنوية تتراوح بين 4 و6 تريليونات دولار (United Nations Environment Programme, 2021)، الأمر الذي يبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات المالية في سد هذه الفجوة التمويلية.

في هذا الإطار، تمتلك البنوك الفلسطينية فرصة لتوسيع دورها التنموي من خلال تبني أدوات تمويلية متنوعة، تشمل القروض الخضراء، والسندات الخضراء، ومنتجات التمويل الإسلامي المستدام. وقد شهدت الأسواق العالمية نموًا ملحوظًا في هذا المجال، حيث تجاوزت إصدارات السندات الخضراء 500 مليار دولار سنويًا وفق بيانات مبادرة سندات المناخ (Climate Bonds Initiative, 2023)، ما يشير إلى تنامي الطلب على هذا النوع من الأدوات المالية.

يرتبط التمويل الأخضر بعدة أبعاد تنموية، حيث يسهم في تنويع المحافظ الاستثمارية وتقليل المخاطر على المدى الطويل، كما تشير تقارير إلى أن الشركات ذات الأداء البيئي المرتفع تحقق عوائد تتراوح بين 10% و15% على المدى الطويل (OECD, 2022).

وعلى المستوى البيئي، يساهم الاستثمار في الطاقة المتجددة في خفض الانبعاثات الكربونية بشكل ملحوظ، بينما يشير تقرير لمنظمة العمل الدولية إلى أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر يمكن أن يسهم في خلق نحو 24 مليون وظيفة جديدة عالميًا بحلول عام 2030 (International Labour Organization, 2018).  ويعكس ذلك الترابط بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للتمويل الأخضر.
ورغم هذه الإمكانات، يواجه التحول نحو التمويل الأخضر عددًا من التحديات، من أبرزها ارتفاع التكاليف الأولية للمشاريع الخضراء بنسبة قد تتراوح بين 20% و30% مقارنة بالمشاريع التقليدية، إضافة إلى محدودية الأطر التنظيمية المتخصصة، والاعتماد على التكنولوجيا الخارجية، إلى جانب احتمالية تقلب العوائد في المدى القصير خلال المراحل الأولى من الاستثمار. وتشير هذه التحديات إلى ضرورة تبني مقاربات مؤسسية متكاملة تجمع بين التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر.

في هذا السياق، يمثل تطوير المنتجات المصرفية الخضراء أحد المرتكزات الأساسية للتحول المؤسسي. ويتطلب ذلك تصميم أدوات مالية تتسم بوضوح الأثر البيئي، مثل القروض الموجهة لتمويل أنظمة الطاقة الشمسية، والتي يمكن أن تسهم في خفض تكاليف الطاقة للأفراد بنسبة تصل إلى 40%. كما يشمل ذلك تطوير حسابات مصرفية مرتبطة بمؤشرات بيئية، وإصدار أدوات دفع تعتمد على مواد معاد تدويرها، وتقديم حلول تمويل للمشاريع ذات الطابع البيئي. ويُعد هذا التوجه جزءًا من إعادة تصميم القيمة المصرفية بما يتماشى مع متطلبات الاستدامة.
يرتبط التحول نحو التمويل الأخضر أيضًا بالتحول الرقمي، حيث تسهم الخدمات المصرفية الإلكترونية في تقليل استخدام الورق بنسبة تتجاوز 60%، مما يحد من الأثر البيئي للعمليات المصرفية. كما يتيح دمج التكنولوجيا المالية (FinTech) تطوير حلول مبتكرة تعزز الكفاءة التشغيلية وتوسع نطاق الوصول إلى المنتجات الخضراء، خاصة في الأسواق الناشئة.

على المستوى المؤسسي، يتطلب التحول نحو التمويل الأخضر تبني رؤية استراتيجية بيئية متكاملة، ترتكز على إدماج معايير الاستدامة في عمليات اتخاذ القرار، وتحديد أولويات تمويلية واضحة، وتطوير مؤشرات لقياس الأداء البيئي. كما يستلزم ذلك تطوير إطار حوكمة بيئية يشمل سياسات إفصاح شفافة، وآليات رقابة فعالة، وربط الأداء المؤسسي بمؤشرات الاستدامة. ويساهم هذا الإطار في تعزيز الشفافية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتمويل الأخضر.

وفيما يتعلق بالاستراتيجيات التطبيقية، يتطلب تفعيل التمويل الأخضر تنسيقًا بين مختلف الأطراف ذات العلاقة. فعلى مستوى البنوك، تبرز الحاجة إلى إدماج التمويل الأخضر ضمن الاستراتيجيات المؤسسية طويلة الأجل، وتطوير وحدات متخصصة في الاستدامة، وتعزيز نظم إدارة المخاطر لتشمل المخاطر البيئية. أما على مستوى الجهات التنظيمية، فيتطلب الأمر تطوير أطر تشريعية داعمة، تتضمن حوافز للاستثمار الأخضر، ووضع معايير وطنية للتصنيف البيئي، وتعزيز متطلبات الإفصاح.

كما يلعب القطاع الخاص دورًا مهمًا في هذا التحول من خلال تبني ممارسات إنتاج مستدامة وتحسين كفاءة استخدام الموارد، مما يعزز فرص الحصول على التمويل الأخضر. في حين يسهم العملاء في توجيه الطلب نحو المنتجات المستدامة من خلال تفضيلاتهم وسلوكهم الاستهلاكي. ويُعد التكامل بين هذه الأطراف عنصرًا أساسيًا في بناء منظومة تمويل أخضر فعالة.

يمثل العنصر البشري أحد المكونات الحاسمة في نجاح هذا التحول، حيث يعتمد تنفيذ السياسات البيئية وتطوير المنتجات الخضراء على مستوى كفاءة الموارد البشرية وقدرتها على التكيف مع متطلبات العمل المستدام. ويتطلب ذلك الاستثمار في التدريب وبناء القدرات المؤسسية في مجالات التمويل المستدام وإدارة المخاطر البيئية.
في المجمل، يرتبط نجاح التحول نحو التمويل الأخضر في البنوك الفلسطينية بمدى تكامل الأبعاد الاستراتيجية والتنظيمية والتشغيلية، بما يشمل تطوير المنتجات المصرفية، وتعزيز الحوكمة البيئية، ورفع كفاءة الموارد البشرية. ويشكل هذا التحول إطارًا لإعادة تعريف دور القطاع المصرفي في دعم التنمية المستدامة، ضمن توازن بين الأهداف المالية والاعتبارات البيئية.

المراجع

مبادرة سندات المناخ. (2023). ملخص سوق السندات الخضراء.

مؤسسة التمويل الدولية. (2020). فرص الاستثمار المناخي في الأسواق الناشئة. واشنطن العاصمة: مجموعة البنك الدولي.

منظمة العمل الدولية. (2018). آفاق التوظيف العالمية والتوقعات الاجتماعية 2018: التحول الأخضر مع توفير فرص العمل. جنيف: منظمة العمل الدولية.

نيلسن. (2021). التقرير العالمي للاستدامة: توجهات المستهلكين نحو الاستدامة.

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. (2022). تقرير التمويل الأخضر والاستثمار. باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

برنامج الأمم المتحدة للبيئة. (2021). تقرير حالة تمويل الطبيعة. نيروبي: برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

بقلم: ناريمان أبو عطوان

استاذ مشارك في التمويل في جامعة فلسطين التقنية-خضوري، استشارية في الاستدامة وتطوير الأعمال