وما منكم إلّا واردها
المقصود بهذا العنوان، طاولة المفاوضات، وهي حقيقةٌ ترقى إلى مستوى البديهيات ولا تحتاج إلى قرائن لإثباتها، وها هي تتجسّد مع إيران ولبنان، وأمريكا وإسرائيل، مثلما تجسّدت من قبل مع مصر والأردن وفلسطين في وقتٍ سابق.
بعد مذبحة الأربعاء أعلن نتنياهو ذهابه إلى مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع لبنان، وكان رئيس الدولة اللبنانية قد طلب ذلك في وقتٍ سابق، ولكنّ نتنياهو تحفّظ بحجة أنه لم يُكمل برنامجه الحربي، وقال إنه سيفكر في الأمر بعد استكمال احتلاله للجنوب وتجريد حزب الله من سلاحه.
المعلومات الأولية غير المكتملة بعد، أشارت إلى أن مكان المفاوضات واشنطن، أي أنها ستكون تحت الإشراف المباشر لإدارة ترمب، ومن غير هذه الإدارة بكلّ ما عليها يمتلك قدرة ضغطٍ على الطرفين اللبناني والإسرائيلي، لإنجاح المفاوضات وبلوغ تسويةٍ سياسية يُراد لها أن تكون نهائية؟
مفاوضات واشنطن تتزامن مع مفاوضات إسلام أباد، والمختلف بين الحالتين هو الوضع الأمريكي فيهما... في إسلام أباد أمريكا طرف، وفي واشنطن راعٍ وحكم، والسلاح الرئيس بيد إدارة ترمب، ما دام الحديث عن مفاوضات واشنطن هو القدرة على فرض القرار النهائي على الطرف الإسرائيلي، الذي لا أحد غير ترمب يمتلك قدراتٍ فعّالةٍ في فرضه.
طاولة المفاوضات المباشرة، التي ما تزال معطّلة، هي المتصلة بالشأن الفلسطيني، مع أنها كانت البداية في زمن ترمب، وما أن وضعت بغياب الفلسطينيين وبتركيزٍ على غزة حتى تعرّضت لتعطيلٍ من قبل نتنياهو، ثم لوقفٍ بفعل الحرب الأكبر على إيران.
ولأن طاولتي المفاوضات الإيرانية واللبنانية، لم تبدئا العمل بعد، فهذا يصعّب علينا تقدير كيف ستسيران وما هي خلاصتهما إلا أن ما حدث وإن بصورةٍ أولية، لابد وأن يعيد الحياة للطاولة المعطلة "الفلسطينية"، ليس على صعيد النقاش والبحث، وإنما لتطبيق ما تمّ الاتفاق عليه بشأن غزة، وما تضمنّه قرار مجلس الأمن 2803 بشأن الشرق الأوسط، وموقع القضية الفلسطينية من ملفاته المتداخلة، والتي لم تنجح حروب نتنياهو في استبعادها، بل كرّستها كأساس، وذلك باعتراف مؤسسي دولة إسرائيل "بريطانيا ومن معها من دول الغرب" بالدولة الفلسطينية.
لم يكن ذلك من قبيل التعاطف المتأخر مع الحق، الذي أُهدر عقوداً من الزمن، وإنما لثبوت حقيقة أن القضية الفلسطينية عميقة الجذور وواسعة الامتدادات والتأثير، هي أساس الاستقرار وإنهاء الحروب في منطقة الشرق الأوسط حيث تجمّع المصالح الحيوية للعالم بأسره.
في عالم اليوم ما كان يبدو مستحيلاً قبل ساعة، يصبح ممكناً في الساعة التالية، أمريكا مثلاً صاحبة مصطلح إعادة إيران إلى العصر الحجري تجلس مع إيران على مائدة مفاوضاتٍ متكافئةٍ في مواضيع البحث... عشر نقاطٍ إيرانية مقابل خمسة عشر أمريكية.
ونتنياهو يبادر إلى طلب المفاوضات مع لبنان، مع أنه ووزير حربه هددا باحتلال الجنوب كله حتى لو تطلّب الأمر تدميره كاملاً وفوقه بيروت، بل مارسا ما هددا به بمذبحة الأربعاء التي هي الأكبر في لبنان منذ بداية الحرب.
موائد المفاوضات يمكن الاختلاف أو الاعتراض على توقيتها، وإثقال جداول أعمالها بالمطالبات التي تبدو مستحيلة، ويمكن أن تتوقف ليعود القتال لاستكمال شروطها ولكنها في النهاية الممر الإجباري للتسويات، لأن بديلها صراعٌ مفتوحٌ يُنتج حروباً دورية، كالتي عرفناها جيداً نحن أهل الشرق الأوسط.
طاولة المفاوضات الفلسطينية، ذات الشروط المختلفة كثيراً عن الطاولات اللبنانية والإيرانية، وإن أُعيدت إلى الحياة من خلال إحياء المسار الذي مرّت به وعنوانه غزة، ثم قرار مجلس الأمن 2803، لن تكون عودة المسار تلقائيةً ومضمونة النتائج، بل ستكون مادة صراعٍ مرير، وهذه المرة ليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين وحدهما، وليس فقط لتطبيق ما اتفق عليه بشأن غزة، بل بين العالم الذي منح الفلسطينيين اعترافاً ثميناً بدولتهم من جهة، وبين إسرائيل المتمردة على إرادة العالم من جهة أخرى.
أمّا إدارة ترمب صانعة الحروب وموائد المفاوضات، فلن تستطيع مواصلة الجري وراء أجندات نتنياهو مغمضة العينين، كما حدث بشأن الحرب وتعطيل سيناريو غزة، بل ستجد نفسها أمام طرفٍ عربيٍ إسلاميٍ دولي، يضع فلسطين وإنهاء الاحتلال عليها وقيام دولتها في صُلب مشاريع الحلول على مستوى المنطقة، وفي هذه الحالة لابد وأن تكون الأمور مختلفةً كثيراً عن تصميمات نتنياهو ومن معه.