مروان البرغوثي المُصاب بالحريّة والحياة

2026-04-14 17:37:14

*    
يا مروان!
 اجْمَعْ خيمةَ الشهداءِ، وارفَعْ فوقَها جُرْحَ النّبيِّ، لكي يعودوا للغناءِ وللدّيارِ. ولا تَقُلْ: كيفَ السبيلُ؟ فأنتَ مَنْ فتحَ السماءَ على مصاريعِ النجومِ، وأنتَ مَنْ لَبسَ الرّياحَ على قميصِ المُعجزاتِ، وأنتَ مَن أخذَ القرار.
أيّها الأسيرُ البطل! يا مَن دخلتَ إلى الحياة المستحيلة، ويا مَن خافوا ضوءك، فأبقوك في القيود! يا أيقونتَنا المخبّأة مثل شمسِ الساحل في أسوار زهرة المدائن. إنّ إرادَتكم هي إرادةُ النّصر الأكيد. فإن أوغل السجّان في دمكم، وإنْ رفَضَ السجّانُ فكّ القيد عن الزنود، وعلّق الأنشوطة للرقاب العالية، فهذا يؤكد مخاتلته لكلّ القوانين، وأنه ابن الغابة وليس ابن آدم! وأنه ينقلب على أيّ تفاهم، ما يؤكد استحالة السلام معه. وليرى العالمُ جرائمَ هذا المحتلّ، حتى لا يظلّ البعض خاضعاً لابتزازه، أو مصدّقا لدعاويه الملفّقة التي تحارب كل ما هو بريء، وتحرق كل ما هو طفل وجميل، وتمنع كلَّ لقاء بين الإنسان وأخيه. فهل آن الأوان للعالم لأن يُعيد هذا القاتلَ إلى أقفاص المحاكمة، لما يقترفه من إرهاب منَظَّم، يطال الحياةَ ويلوّثُ المعايير البشرية والمواثيق الدولية.
إنّ الأسيرَ اختصارٌ لمعادلة الإقليم. وهو الرمز الأعلى، واللّازمة التي نكررها، بمحبةٍ وكبرياء مجروح، كلما دهمتنا الكآبة، وحاول النسيان أن ينال من وردتنا الوحيدة الباقية، وأعني الشهداء مع وقف التنفيذ. وهو طابع بريدنا الذي نختم به رسائلنا، إلى ذلك المأمول الذي ننتظر ولادته، وسيجيء، أو ننتظر خروجه من خلف الأبواب الغليظة الثقيلة الصدئة، وسيكون حضوره ملء الشمس وفوق الكلمات، التي نبحث عنها، فتهرب من ضعفنا وعجزنا وبحثنا عن خلاصنا الشخصي الممقوت، وستلد معه الأناشيد، وستخرج الحقائب المعبأة بالألوان، ونهتف من جديد، رغم صبيان الفقه الأمني المشبوه، والروبيضة الذي صعد على حبال الشيطان إلى سطح الكلام، وتشاوَف بملامحه الاسخريوطية.
الأسير الفلسطينيّ هو أقدم مضرب عن الطعام على هذا الكوكب، هو فلسطين التي تعتبر أقدم مظلمة على هذه البسيطة المعقّدة، التي تسيطر عليها حاملات المجرمين وكارتيلاّت المحتلّين الجدد للعواصم والأنهار والآبار. ولعل أسيرنا يستحق أن يدخل الموسوعة المتميزّة من باب البقاء حارساً لأحلام وثوابت شعبه وأُمّته، وليس من باب الألم أو اعتباره ذبيحة معلّقة على مرأى من الساسة ومنظّري حقوق الإنسان وأصحاب المقولات المقلوبة، الذين يدعمون اسبارطة في تطوير طوطم رعبها النووي، لتمعن في لحم الشيوخ والرُّضّع والنساء.
وإن احتمال دولة الإحتلال بإبقاء سجين في زنازينها وهو يحتمل آلام الجوع سنوات لا تنتهي..ولا يحتمل آلام الركوع، هو دليل آخر على عقليتها التي طوّرت كل أشكال القمع عبر التاريخ، وأعادت إنتاجه على جلودنا، والتي  تزّج بالجثث في ثلاجات السجن، وبالأطفال في أتون المعسكرات الإعتقالية المرعبة، وهو دليل مكرور بأن هذا الكيان لا يعرف سوى الموت ثقافةً ولغةً، ولا تردعه سوى القوة والكوابح المُقاوِمة. وثمة طابور من الهالوك والرماد المتّصل بجحيم السجّان، الذي يلمّع وجهه بالشعارات المصقولة، ولا إرث له سوى الترنّح والهمسات وركوب الموجات والإلتباس وهدم نوافذ الآباء.
وإن العتمة المختزنة والمكثفة في باستيلات الاحتلال كافية لأن تفور وتُغرق نصف الكرة الأرضية بسوادها الثقيل، غير أن إرادة الأسير الفلسطيني استطاعت أن تحيل تلك المخازن الخانقة إلى قلاع تضجّ بالإرادة والثبات والحياة والضوء، وأن تفتح البراري، ثانيةً، للخيول. وإن الاحتلال الفاشي بجنوده ومستوطنيه وسجّانيه ملطّخ بالعار والدم الثقيل، وأما الأسير الحُرّ وإخوته، فإنهم يدافعون عن شرفهم وكرامتهم ومقدساتهم ومستقبل أبنائهم المأمول.
وقد يكون الحُرّ المُحرّر هو الثروة الحاضرة الأكبر، الآن، في فلسطين، والتي تدلّل على عمق حيوية وتراجيديا شعبنا ومأساته، وعلى مدى المعانيات التي يواجهها هذا الشعب، ليردّ على غوائل إلغائه وشطبه. وإن هذه الثروة النضالية والإنسانية والوطنية كفيلة لأن تؤصّل لبداية مختلفة لوحدة الحراك والعمل الفلسطيني، للفصائل والحركات والأحزاب، لنحقق انطلاقة جديدة، واجبة الوجود، إذا احتسبنا واحترمنا سنوات السجين وجوعه، ودماء الشهداء، ودموع الأيامي والأيتام، ولهفة المنتظرين خلف السياج.
يا مروان! يا أسيرنا الأجمل! يا اسمنا السريّ الحَسَن الذي فضحه التاجر في عتمة التخلّي عن اسمه وحقوله! سيكون سجنك مدرسة لأبنائك، وفضاءات لعب عميق لأحفادك.
يا أبا القسّام! ياتمثال الضوء على كل مفرق ودرب! يا روح الأوائل المتبقّية، لتعيد إلينا ملامح الطهارة والإلتزام! ويا لمسة الأمّ البتول على نبض جنينها الآتي عمّا قريب! يكفيك أنك حُرّ على هذه الأرض الأَمَة، ويكفينا أننا نجد زاداً، من لحم عمرك، لنواصل الخطو إلى الشمس، وأننا على يقين بأن القيود تتغضّن على معصميك أيها المصاب بالحريّة والحياة.
يا أيها الحُرّ! أنتَ الأن فلسطين، وشعبك يتنفّس في ظهرك. أما الباقون فهم جوقة لكربلاء العتمة، أو جوقة لملهاة ماجنة. فاصمد حتى ينتصر الموسم، وأكمل زينتك إلى أن نقيم السامر الكبير، وإن قطعوا نهرَك، وتآمروا على أن تجوع في غربتك الجديدة الثانية.
وإلى كلّ الأسماء العالية! إنكم أرواحُ الأرضِ، وأنبياءُ الصبر، الذين أرجعوا لنا مرايا الجبّارين وفجرَ العماليق، وزاوجوا بين الوَّتَرِ والعرين، وأعادوا الفحولةَ إلى الأرجوان تحت أقواس الدم والنار. نقول لكم: إذا خُلِق السجنُ لكم فقد خُلِقتُم للحريّة. فَسلامٌ على أبدانكم النبويّة، وعلى جوعِكم المقاتلِ، وعلى عطشِكم الجليلِ، وعلى لحمكم الذي تدبّغ وتغضّن، وفاح بأرجوانه، وأنتم تدافعونَ به عن عن الحق والعدل والوطن، البعيد عن خطوطِ السُّوءِ والهزيمةِ واليأسِ والإبادة المفتوحة، وتواجهونَ الإلغاء والشطب والفاشية، وانغلاقَ السُبُلِ والضُّمورَ والقضبان، وتقفونَ في وجهِ العَبثِ الدمويّ الاحتلاليِ، الذي يسعى إلى تفريغِ الحركةِ الوطنية، والأسيرةِ من مضامينِها ومحتواها الوطنيِ والإنساني. 
الثمن باهظ. لأنّهم يحاولون إعدامكم ببطء ثقيل، لكنّ البحرَ سيأتي ليملأ ضلوعَكم، لتظلّوا زَخمَ الرَّعدِ، والبرقَ المُختَزِنَ في غيومِ السماء، حتى تبقى المعتقلاتُ قِلاعاً، إلى أن ينحطم البابُ ويدخل النهار، ولترجعَ الحركةُ الأسيرةُ الحرّةُ إلى سَبيكَتِها الذهبيّة، تحفظُ مُنجزاتِ الشهداءِ والمناضلين، وحتى لا نستمرئ السّكينَ على رقابنا، أو يشحذونَها على عظامِنا. 
أيها الأسرى! يا نجومنا الباقية، وحدها في هذا الليل البهيم! ستقهرون الفاشيةَ والسّاديّةَ، ففي صوتكُم دماءُ الشهداءِ، وضحايا غزة وحجارتها، وصراخُ الجرحى، ونداءُ الأُمّهاتِ، وحِراكُ الميادين وأبواب المخيمات، وجرأةُ الموسيقى، وطيورُ النار.
أيها القائد الأسيرُ الحرّ، خلف الجدران! يا مروان فلسطين الأجمل! ستُشرَّع الأبواب عمّا قليل! يا ابنَ الناياتِ والشَّجنِ، يا ابنَ البدايةِ التي لا تنتهي، يا سيّدَ الأعراس، ونشيدَ المتراس، يا انفجارَ الربيعِ وعاصفةَ السنبلةِ، يا بُخارَ جراحِنا ويا خُبزَنا الجَمريّ! كأني أراك، وأنت تقبع منذ عقود في رطوبة العَزْل، تقرأ حروفَك المأنوسةَ، وسترفع النَّرجِسةَ إلى المُلصقِ، وستسعى إلى الضوءِ المُشِّعّ والكتابِ القويم، وإلى النسَغِ المخبأ في الجذور، وسترمي الماسةَ بين الرّحى، حتى يرتجَّ المعدنُ وتتوالى فيه البراكين، ليبلغَ الكَشْفَ..فمِن جُوعِك وضلعك المكسور سيبدأ يومٌ جديد. وأنتَ على صوابٍ إذ تُقدِّمُ كلَّ شىءٍ من أجل الحرية، وتُمهِّدُ لمنظرٍ ورديٍّ، للزمنِ الآتي على سواحل المدن المستباحة.
أيُّها الأسرى الأحرار! أنتم لَحمُ الشمسِ ونبضُ البركانِ ورجّةُ الغناءِ، الذي سيلدُ البقاءَ. نقول لجلّادِكم، الذي يغتصب ويجوّع ويشقّق الشفاه عطشا وسغبا، ويدبّغ الأجساد قيداً وحرقاً، ويَسجِنُ حتى الجثثَ، في مُدنِ أسواره الجهنميّةِ وباستيلّاتِه النازيّة؛ كِلانا، أيّها المُحتلُّ يعرف الموتَ، لكنَّ واحداً منّا يعرف الحياة..إنّه الأسيرُ، الذي لن يسمحَ لِزَمَنِكُم لأنْ يقدَّ أثوابَه السوداءَ من أعمارنا، فهو على يقينٍ بأنّ كلَّ هذه الآلامَ ستصبحُ حريةً، وإنْ اقترفتم ألفَ مذبحةٍ في اليوم والساعة.